بحثتُ عن السعادة

 

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – في صغري كنتُ أظنُّ أنَّ الكبار يملكون السعادة الحقيقيَّة. فنحن “الصغار”، نقضي نصف نهارنا في المدرسة وبعد الظهر نقضيه في الدراسة، وإن أردنا أن نلعب قليلاً يأتي صوت الأمّ يدعونا إلى النوم… وعندما كبرتُ رأيتُ الناس يقضون حياتهم في العمل، ويهربون من الملل والضجر بعد العمل بالسهر، ويهربون من المشاحنات والشجارات والخلافات بمعاقرة الخمرة أو بالإدمان على المخدِّرات.

فكَّرتُ يومًا أنَّ الغنى هو مصدرٌ للسعادة، وبعدما رأيتُ حالات الطلاق والانفصال والهجر بين الأزواج الأغنياء تحقَّقتُ أنَّ الغنى هو مصدر للتعاسة لمن لا يعرف أن يستفيد من المال، أو بالأحرى لمن يجعل منه إلهًا بدلاً من أن يجعله خادمًا وعبدًا له. فالغنيّ التعيس هو الذي يسعى إلى زيادة غناه، والغنيّ السعيد هو الذي يعرف أن يشارك الآخرين في خيراته.

التفتُّ إلى الصحَّة علَّني أجد فيها السعادة، فإذا بي أرى الأصحَّاء يعانون من الكآبة أيضًا. فالذين يمارسون الرياضة أو كمال الأجسام هم غالبًا أولئك الذين يهربون من واقعهم المرير، ومشاكلهم اليوميَّة.

فتَّشت بين الناس الذائعي الصيت والمشهورين عن السعادة التي يمتلكونها، فإذا بي أجد معظمهم يمرُّون بمشاكل عائليَّة أو فضائح مختلفة، أو يلجأون إلى الإدمان بمختلف أنواعه. والأغلبيَّة الساحقة يُضمرون عكس ما يُظهرون.

بحثتُ عن السعادة لدى رجال السياسة وأصحاب المؤسَّسات الضخمة، وعند رجال الدين بشكل عامّ، وحتَّى لدى ملكات الجمال وملوك الجمال، فوجدتُ لكلٍّ منهم متاعبه النفسيَّة والحياتيَّة والماليَّة والصحّيَّة…

وبينما كنتُ أسير يومًا، رأيتني فجأة أمام شابٍّ في مقتبل العمر، مقطوع الرجلين، عاري الصدر، والبسمة لا تفارق وجهه،قابعًا في زاوية يستعطي، وإلى جواره ورقة مكتوب عليها: “لا ألتمس شفقة منك، بل لقمة”.

اقتربتُ منه وقعدتُ إلى جواره، وبعد التحيَّة سألته سؤالاً واحدًا: “من أين لك هذه السعادة المرسومة على وجهك؟” فأجابني قائلاً: “لا شيء، ولا أحد يقدر أن يفقدني سعادتي. فأنا لا أنظر إلى ما حباه الله للآخرين، بل أنا مقتنع بما أعطاني إيَّاه ربّي. أتعلم لو كلُّ واحد يفكِّر ما أعطاه الله من نِعم، لعاش سعيدًا طوال حياته. لا يمكنك أن تتعلَّم السعادة في الكتب ولا أن تختبرها في المال ولا يمكنك أن تبحث عنها في أشياء لا تملكها، لأنَّ أيَّ شيء تملكه تفرح به لوقته وبعد فترة يصبح عاديًّا بالنسبة إليك. علَّمتني الحياة ألاَّ أبحث لا عن شخص يفرحني ولا عن شيء يبهجني، بل أقتنع بما لديَّ. فإن قيل يومًا: “القناعة كنز لا يفنى”، فأنا أضيف: القناعة هي السعادة الحقيقيَّة. وبقدر ما تتخلَّى عمّا تملكه تزداد سعادتك. انظر إليَّ فأنا لا أملك شيئًا من حطام هذه الدنيا، ولا أسعى إليه، لذلك تراني أسعد مخلوق على وجه الأرض…”

كن سعيدًا بما لديك فهناك أشخاص لا يملكون شيئًا وبالرغم من ذلك هم أكثر الناس سعادة.

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

أمي خالدة رغم وفاتها

الأول نيوز – د.مارسيل جوينات في كل عام يأتي عيد الأم، يحمل معه الفرح في …