مذكرة تفاهم الغاز الثلاثية ومنظمة غاز شرق المتوسط

د. أيمن سلامة –

 

الأول نيوز – وَقعت إسرائيل ومصر والاتحاد الأوروبي اليوم الأربعاء اتفاقًا ثلاثيًا للغاز الطبيعي في القاهرة في الوقت الذي تسعى فيه أوروبا إلى تجميع استراتيجية للطاقة لتحل محل الإمدادات الروسية التي اعتمدت عليها منذ عقود، وسَتُمكن الصفقة إسرائيل من إرسال غازها الطبيعي عبر خطوط الأنابيب الموجودة بالفعل إلى الموانئ المصرية، حيث يمكن تسييله وضغطه ثم تصديره إلى أوروبا.

مذكرة التفاهم سارية المفعول من تاريخ توقيعها ولمدة ثلاث سنوات، و بعد ذلك يتم المذكرة تلقائيًا لمدة عامين آخرين، ووفقا لمذكرة التفاهم الموقعة، تقر إسرائيل ومصر والاتحاد الأوروبي “بأن الغاز الطبيعي سيُستخدم لأغراض الطاقة على الأقل حتى عام 2030، وبعد ذلك سينخفض استهلاكه تدريجياً في أوروبا حتى عام 2050″ ، إلى أن تلتزم الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي إلى اقتصادات خالية من الانبعاثات.

يشجع بند آخر في الاتفاقية الشركات الأوروبية على المشاركة في إجراءات تنافسية للتنقيب عن الغاز الطبيعي وإنتاجه في المياه الاقتصادية لإسرائيل ومصر، بالإضافة إلى تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص في مجال الهيدروجين الأخضر والطاقات الخضراء وكفاءة الطاقة.

في معظم الحالات تُستخدم مذكرة التفاهم عندما يُعتبر من الأفضل تجنب الإجراءات الشكلية للمعاهدة، فعلى سبيل المثال، عندما تكون هناك أحكام مفصلة تتغير كثيرًا أو تكون المسائل التي يتم التعامل معها ذات طبيعة فنية أو إدارية؛ كما في مسائل الدفاع أو التكنولوجيا حيث توجد حاجة لتصنيف هذه الوثائق ؛ أو حيث تتطلب المعاهدة وثائق فرعية لملء التفاصيل، وخلافا للأنماط  الأخرى من المعاهدات الدولية فلا يعوزها في معظم الحالات المصادقة الدستورية علي مذكرة التفاهم ،

مذكرة التفاهم هي صك دولي من نوع أقل رسمية، كما أنها تستخدم لتنظيم الأمور الفنية أو التفصيلية، وعادة ما يكون في شكل صك واحد ، وعادة ما تبرم الأمم المتحدة مذكرات تفاهم مع الدول الأعضاء من أجل تنظيم عملياتها لحفظ السلام أو لترتيب مؤتمرات الأمم المتحدة،  كما تبرم الأمم المتحدة مذكرات تفاهم بشأن التعاون مع المنظمات الدولية الأخرى

شهد الثاني والعشرين من سبتمبر عام 2020 ولادة منظمة دولية إقليمية جديدة هي منظمة دول غاز شرق المتوسط، ومقرها العاصمة المصرية القاهرة، بعد أن وقع وزير البترول والثروة المعدنية المصري طارق الملا على الميثاق مع أعضائها من قبرص واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية ، وبموجب الميثاق سيكون للمنظمة هيكل متكامل يحقق مصالح أعضائه في استغلال مواردهم الطبيعية وإقامة شراكات اقتصادية وتجارية بين الدول الأعضاء، فضلا عن استثمار اكتشافات الغاز في شرق المتوسط في إرساء دعائم السلام والاستقرار في المنطقة، وضمان تلبية العرض والطلب من الدول المنضمة للمنظمة، وترشيد كلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية في سوق الغاز العالمي.

يعد تحول منتدي الغاز لدول شرق المتوسط الذي أسس في عام 2019 من منصة للحوار والمشاورات بين دوله إلى منظمة إقليمية دولية دائمة، نقلة نوعية في استثمار وتجارة الغاز الطبيعي، كما أن اختيار القاهرة مقرا للمنظمة يرجع لخبرة مصر في قطاع الغاز والبنى التحتية الجيدة، فضلا عن كونها الدولة الأكبر في المنطقة في اكتشافات وإنتاج الغاز الطبيعي، ولأنها المحطة الوحيدة في منطقة البحر المتوسط التي يمكنها استقبال الغاز من جيرانها ثم إسالته وإعادة تصديره.

جلي أن مصر لم تتبوأ مركز دولة المقر للمنظمة الإقليمية الوليدة وحسب، بل صارت منذ سنوات قليلة الدولة الكبرى في المنطقة في مجال الاكتشافات الغازية الضخمة وتوازت هذه الاكتشافات مع إنشاء مصر لأضخم المرافق، فضلا عن التسهيلات الفنية والتكنولوجية في مجال إسالة الغاز الطبيعي، مما بعث الثقة والطمأنينة لدى باقي الدول الأعضاء في المنظمة كي تكون مصر دولة المقر لذلك التنظيم الوليد.

إن الاستكشافات والاكتشافات التي حدثت في مصر وقبرص وإسرائيل وجميعها من الدول المؤسسين للمنتدي ثم المركز الإقليمي، والحقيقة الأخرى التي تكشف عنها الطبيعة والجغرافيا معا، وهي أن منطقة شرق البحر المتوسط تضم دول تتمايز في خصائصها ما بين دول منتجة ودول مستهلكة ودول عبور ونقل للغاز، ويجسد الاتفاق الثلاثي الذي عقد اليوم الأربعاء في القاهرة بين مصر و إسرائيل و الإتحاد الأوربي لتصدير الغاز الإسرائيلي إلي أوربا بعد تسييله في مصر أهمية انشاء منظمة غاز دول شرق المتوسط.

فمن خلال تجمع مركزي إقليمي يسهل التعاون الوثيق في جملة أمور فنية وغير فنية من بينها الرقمنة، ومشاركة البيانات، والمسوحات الأساسية الاستكشافية والبحثية، والمنصات الرقمية المفتوحة ، أضح الطموح حقيقة واقعة لأول مرة بشأن تصدير الغاز المسال من جنوب  البحر  المتوسط لكافة دول  القارة الأوربية .

اقتصاديا هناك بعض التحديات التي تجابه آمال الدول الأطراف في ميثاق هذه المنظمة الإقليمية الدولية، لكن يأتي على رأس هذه التحديات رأس المال المؤسس لذلك التنظيم المهم، فضلا عن الكلفة الباهظة، لنقل الغاز من مصادره في الدول الأعضاء خاصة من مصر في جنوب البحر المتوسط سواء إلى دول العبور اليونان أو إيطاليا ثم إلى باقي أوروبا، لذلك فمن الضروري بل والحيوي أن تفوق القدرة التنافسية الاقتصادية للمنظمة في مجال مد الغاز عن تلك المتوافرة لدى الدول المشار إليها.

ختاما، زادت وتيرة لجوء الدول إلي استخدام ذلك النوع من الصكوك الدولية ” مذكرات التفاهم ” في الآونة الأخيرة أكثر من الماضي، وتختار الدول هذا النوع من المعاهدات لتنظيم شؤونها الدولية المختلفة، فبالمقارنة مع المعاهدات الدولية الأخرى، فإن هذه الصكوك تعد أكثر مرونة و أسهل في اعدادها وصياغتها وتغلب عليها السرية في حالات معينة، كما تدخل حيز التنفيذ بسرعة وبشكل طبيعي دون أي مشاركة برلمانية، ويمكن بسهولة تعديلها أو إنهائها.

 

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المرأة في مواجهة اقتصاد الذكاء الاصطناعي: فجوة رقمية أم فرصة للتمكين الاقتصادي؟

الاول نيوز – د.مارسيل جوينات في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي …