الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – لم أكن أعلم أنَّ ردود الفعل على مقالتي الأسبوع الفائت ستكون كثيرة، ممّا يعني أنَّ الكثيرين من أبناء وطننا العربيّ ما زالوا يهوون القراءة، أوّلاً، وهذا جيّد ودليل عافية ثقافيَّة يُحمد عليها.
ثانيًا، الملفت للنظر أنَّ نساء كثيرات أكَّدن أنَّ ما كتبته هو صحيح مئة في المئة ولديَّ أكثر من رسالة صوتيَّة في ذلك الأمر، بينما انتفض أحد القرّاء معتبرًا أنَّني رجعيّ ومجحف بحقِّ النساء وعليَّ الاعتذار منهنَّ علانيَّة.
لم أُرد من مقالتي السابقة “ماذا تريد المرأة” إثارة حفيظة إنسان ولا سخط النساء عليّ أو تأكيدهنّ لما كتبت. ولا أكتب اليوم لأعتذر من أحد أو بالعكس لأبرهن أنَّ كلامي صحيح أم لا. أكتب بكلّ بساطة لأنَّ في الكتابة لذَّة لا توصف لا يشعر بها إلاَّ الكاتب، وفي تحريك مشاعر الآخرين وردود فعلهم من خلال الكتابة تأثيرًا إيجابيًّا على الكاتب.
ما يميِّز التمثيل على خشبة المسرح عن التمثيل على الشاشة أنَّ الممثّل ينال فورًا إعجاب الجمهور ورضاه عن أدائه بالتصفيق الحارّ والهتافات أم نفور الحضور بالسخرية والهزء، لذلك يفضِّل الممثّل الناجح بل البارع المسرح على الشاشتين الكبيرة والصغيرة. أمّا الكاتب، على مثال ممثّلي الأفلام والمسلسلات، فلا يلقى المديح أو الذمَّ إلاَّ بعد حين، بقدر ما يجد رواجًا لكتبه أو تعليقًا لمقالاته أو نقدًا لكتاباته. والكاتب الحاذق والناجح هو الذي يعرف لا أن يحرِّك المشاعر فقط بل أن يحفِّز على التعليق وإبداء الرأي، سلبًا كان أم إيجابًا.
فيا أيُّها القارئ العزيز، لن تجد دائمًا مقالاً جريئًا يمسُّ فئة من البشر إلاَّ ويلقى ثناء من أشخاص ورفضًا من آخرين. فعليك أن تحكّم عقلك وتحكم بموضوعيَّة ليأتي حكمك صائبًا على المقال لا على الكاتب. مثل ذلك كمثل رجل يقف أمام رسّام يرسم لوحة زيتيَّة وقبل أن تكتمل الرسمة يصرخ المتفرِّج في الرسَّام قائلاً: “يا لبشاعة اللوحة أنت رسَّام فاشل”. بينما يتابع الرسّام عمله بصمت، وعند الانتهاء من الرسم يقوم الرسّام بقلب الصورة رأسًا على عقب فتظهر الصورة على حقيقتها صورة رائعة تجعل الناقد خجلاً من كلامه.
أم مثل ولد يراقب أمَّه لأوَّل مرَّة تصنع قالبًا من الحلوى واضعة البيض مع السكَّر ثمَّ الطحين والزبدة وسواها من الموادّ فيشعر بالاشمئزاز مردِّدًا في سرِّه: “أمّي تصنع اليوم أسوأ قالب حلوى في حياتي”، ولكن عندما يرى الكعكة ناضجة أمامه ويتذوَّقها يتبدَّل تفكيره.
لا بدَّ لك من إبداء رأيك في مقالة معيَّنة ولكن لا تحكم على كاتب، أيًّا كان هذا الكاتب، من خلال مقالة كتبها بل عليك أن تغوص في كتابات متعدِّدة له ليكون حكمك صائبًا ورصينًا…