أسوأ من الوجع

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – الوجع لا يُحتمل أيًّا كان مصدره. ولذلك قد يتأخَّر الإنسان في إجراء الفحوصات اللازمة بين فترة وأخرى، ولكن عند وقوعه في وجع معيَّن في الجسم يهرع بسرعة إلى الطبيب لتخفيف الألم أو إزالته. وهذا أمر طبيعيّ، وإن كان هناك بعض الناس الذين يتحمَّلون الوجع إلى أن يتفاقم ويصبح لا يُطاق.

بالإضافة إلى الأوجاع الجسديَّة هناك أوجاع نفسيَّة قد تكون أسوأ من الأوجاع الجسديَّة. فكم من أشخاص يعانون من هجر الحبيب أو تغرُّبه، من خيانته أو لامبالاته. آخرون يتألَّمون من نكران جميل الناس لهم؛ وآخرون ينزعجون من ردَّة فعل الناس السيِّئة حيال خدمة قُدِّمت بطريقة خاطئة أو بعد تأخُّر.

سافر شابٌّ يُدعى جواد إلى بلاد الغربة واستقبله نسيبه في بيته قرابة ثلاثة أشهر، ريثما يتدبَّر أمره. وفي أحد الأيَّام، عاد النسيب إلى بيته فلم يجد ضيفه جواد في المنزل ولا وجد حاجيَّاته. حاول الاتّصال به فلم يردَّ عليه. وبعد فترة قبض معاشه وأراد إيداعه في الصندوق الذي يضع فيه ماله، فاكتشف أنَّ الصندوق خالٍ من أيِّ مبلغ بعدما كان مليئًا بالمال، فأدرك عندئذٍ أنَّ ضيفه “العزيز” قام بسرقته قبل أن يترك الدار. وراجع الكاميرا الموضوعة داخل الدار، فتأكَّد من الأمر، إذ رصدت كلَّ تحرُّكاته أثناء السرقة. عندئذٍ، احتار في أمره أيبلِّغ الشرطة أم لا؟ وهو يعرف جيِّدًا أنَّ الشرطة ستجد ضيفه فورًا وتضعه في السجن بعد أن يعترف بجنحته. ففضَّل لزوم الصمت.

لم يمضِ أسبوع واحد، حتَّى اتَّصل جواد بنسيبه يسأله خدمة: إن كان يستطيع أن يمدَّه بالمال، لأنَّه واقع في ورطة ولا يستطيع الخروج منها. فقال له: “ماذا فعلتَ بالمبلغ الكبير الذي أخذته من البيت”. فأجابه: “أتتَّهمني بالسرقة؟” وأقفل الخطَّ بوجه مضيفه. وبعد خمس دقائق، عاود جواد الاتِّصال وراح يسبُّ ويلعن الساعة التي أتى فيها إليه، ولم يلبث أن أقفل الخطَّ من جديد.

أدرك المضيف أنَّ في الأمر سرًّا، فنسيبه معروف بأنَّه إنسان مهذَّب ولطيف. وفطن أنَّه لا بدَّ وأن يكون وقع بأيدي أولاد سوء. والحلُّ الوحيد لإخراجه من ورطته هو الاتِّصال بالشرطة. وفعلاً اتَّصل بالشرطة وأخطرهم بكلِّ تلك التفاصيل. وبالفعل، ما فكَّر فيه كان صحيحًا، أخذ جواد يتعاطى المخدِّرات بعدما أوقعته جماعة من الحشَّاشين في حبائلها. فأُلقي في السجن وأُرسل إلى مكان للتأهيل. فعاد إنسانًا سليمًا وأُخرج من السجن بعد ستَّة أشهر بكفالة. ولمَّا خرج جواد من السجن، اتَّصل بنسيبه وعاتبه وطلب منه عدم الاتِّصال به مجدَّدًا لأنَّه جعل اسمه في الحضيض بعدما أدخله السجن. ولم يلبث أن بدأ فعلاً حياةً جديدة…

قام النسيب بما أملاه عليه ضميره، ولو أنَّه خسر جوادًا الذي تعلَّم درسًا قاسيًا لن ينساه طوال حياته. فأسوأ من الوجع من يسيء الظنَّ بك وهو لا يعلم أنَّ ما فعلته من أجله هو لصالحه!

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المرأة في مواجهة اقتصاد الذكاء الاصطناعي: فجوة رقمية أم فرصة للتمكين الاقتصادي؟

الاول نيوز – د.مارسيل جوينات في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي …