د. سليمان صويص –
الأول نيوز – تحتفل الأمم المتحدة في الخامس عشر من أيلول من كل عام ﺑ «اليوم العالمي للديمقراطية»؛ وقد بدأت بتكريس هذا اليوم منذ عام 2007.
الديمقراطية..الحرية.. العدالة .. السلام.. موضوعات قُتلت بحثاً ودراسة ، وألّفت حولها مئات ـ وربما آلاف الكتب، ودارت حولها ومن أجلها المعارك والثورات والإنتفاضات والحروب.. ومع ذلك يزداد ابتعاد الشعوب عن هذه القيم يوماً بعد يوم !
لنتوقف اليوم عند السيدة «الديمقراطية»، كما هي في عالم اليوم. بدأ الإنفضاض من حولها بعد أعوام قليلة من نهاية «الحرب الباردة»، وصعود الرأسمالية المتوحشة. وليس من قبيل الصدفة صدور كتاب «السيطرة الصامتة : الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية»، لمؤلفته نورينا هيرتس، عام 2002، وذلك بالترافق مع بداية سيطرة الشركات الكبرى على الدولة في العديد من البلدان الغربية، والتضاؤل التدريجي لقوة الحكومات والبرلمانات في هذه البلدان.
منذ أن أصبحت الساحة خالية للرأسمالية المتوحشة، تكاثرت الحروب وتزايد تركّز الإحتكار، واستغلال الطبقات الشعبية، وزاد إفقار الشعوب وإرتفاع نسب البطالة وصعوبة الظروف المعيشية لأغلبية الناس، سواء في الدول المتقدمة أو المتخلفة (بإستثناء الصين نسبياً). وتبدو تجارب بلدان قليلة، كالبرازيل ورواندا وسنغافورة كجزر معزولة في عالم يتداعى.
تزايد قوة وانتشار التيارات وأنظمة الحكم الشعبوية السلطوية هي نتيجة أخرى وصل اليها الوضع العالمي جرّاء هيمنة الرأسمالية المتوحشة. وترافق ذلك مع إزدياد الحاجة إلى الإصلاح الإقتصادي، وانفجار قضايا الهويات الوطنية والإثنية والقومية والدينية، وتفاقم مشكلات الهجرة والعنصرية والإقصاء، وتكثيف التجسس على حياة الأفراد، واغتراب الأفراد والمجتمعات عن واقعهم الفعلي، وأشكال بشعة من إنتهاك حقوق الإنسان، وإنكشاف سياسة المعايير المزدوجة التي تطبقها الدول الغربية المهيمنة. كل ذلك دفع العديد من الشعوب إلى النفور من الديمقراطية؛ وهذا ما يحلله ويشرحه بشكل موثّق ومسهب كتاب صدر عام 2018 لعالم السياسة الأمريكي، الألماني الأصل، ياشكا مونك، وعنوانه ـ ببساطة ـ «الشعب ضد الديمقراطية» !
الديمقراطية التي تعني بلغتها اليونانية القديمة «حكم الشعب بالشعب وللشعب» لم تتحقق بعد؛ لا تزال حلماً يراود الشعوب التواقة إلى الحرية والعدالة والسلام …«الديمقراطية» الموجودة في عالم اليوم حكر على «النخب الإقتصادية» و اللوبيات (مجموعات الضغط)، والتكنوقراط المرتبط بالشركات الكبرى ومصالح الطبقات الحاكمة، القادرة بما تملك من إمكانيات من التلاعب بالعقول وبالرأي العام. أما تأثير الشعب على السياسات والقرارات فهو يقترب من الصفر. وهذا الأمر ليس بجديد؛ ففي الكتاب المذكور أعلاه، يوضّح مونك بأنه قد جرى تحليل صيرورة «الديمقراطية الأمريكية» من قبل باحثين أمريكيين إثنين، هما الكسندر هاميلتون
وجيمس ماديسون، بحيث كتبا يقولان بوضوح شديد بأن «جوهر الجمهورية الأمريكية يكمن في الإقصاء الكامل للشعب كجماعة من أية مشاركة في الحكومة» !
ومن بين الدلائل على فقدان الثقة بالديمقراطية في الولايات المتحدة، أن 40 بالمئة من الأمريكيين كانوا يثقون في الكونغرس عام 1970؛ وانخفضت هذه النسبة إلى 7 بالمئة في عام 2014.
يُقال بأن الديمقراطية هي « نهج حياة، ودرجة من النضج السياسي والفكري والإجتماعي في أوساط المجتمع»، وبأنها تقوم أساساً على الطبقة الوسطى، وبأنها وسيلة سلمية لحل التناقضات داخل المجتمع… ويرى الكثير من الناس بأنها مرادف لصندوق الإقتراع، يُمارس من خلاله المواطنون الإنتخاب مرة كل بضعة سنوات..والبعض يعتبر الديمقراطية أقلّ الأنظمة السياسية سوءاً…لكن الديمقراطية الحقيقية التي تسعى الشعوب للوصول إليها محاصرة اليوم بالكامل، والإثباتات على ذلك تتراكم كل يوم. وفي بلدان كبلداننا العربية، لا يمكن فصل الديمقراطية عن قضايا التحرر الوطني والسياسي والإجتماعي والإقتصادي، وتأمين السيادة الوطنية.
ما هو البديل ؟ هل هي وسائل التواصل الإجتماعي التي حلّت محل المقاهي ؟ أم أن النزول إلى الشوارع والساحات العامة وممارسة الضغط الشعبي على الحكومات والأنظمة هو الحل ؟
المؤكد في جميع الأحوال أن «النظام الديمقراطي»، بالمفهوم الغربي، قد فشل فشلاً ذريعاً، وصدرت شهادة وفاته في بلدان الغرب نفسها؛ وهو أصبح غطاءاً لممارسة الدكتاتورية، ليس فقط السياسية، بل والإقتصادية والأيديولوجية.. وهو ما تنبأ به الكاتب والروائي البريطاني جورج اورويل في روايته «1984» الصادرة عام 1948. أما عن الديمقراطية في بلدان العالم الثالث، فهي أقرب إلى الصورة الكاريكاتورية منها إلى أي شيء آخر.
.. ويبقى السؤال مطروحاً على الشعوب والمفكرين : كيف يمكن تجاوز الديمقراطية الغربية، بإتجاه شكل آخر يحقق طموحات الشعوب؟ فالديمقراطية ليست هدفاً لذاتها، بل هي وسيلة تحاول الطبقات الإجتماعية من خلالها تحسين أوضاعها وتطويرها. وإذا لم يتحقق ذلك، فإن الديمقراطية تكون مصادرة او معطّلة أو «ميتة»، على حد تعبير الكاتبة البريطانية !