الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – تطوَّعتُ مدَّة من الزمن للعمل في مؤسَّسة خيريَّة تهتمُّ بأطفال ذوي عاهات خاصَّة من جهة، ومن جهة ثانية بأطفال ذوي حالات اجتماعيَّة (عائليَّة صعبة).
وخلال فترة عملي، توجَّهتُ مرَّة مع رئيس المؤسَّسة إلى متموِّل ظننتُني أعرفه معرفة عميقة. بعد استقباله الحارّ وتقديم الضيافة، دخلتُ معه مباشرة بموضوع الزيارة وبدأت أحدِّثه عن المؤسَّسة والأشخاص الذين نتعامل معهم. ثمَّ تطرَّق رئيس المؤسَّسة إلى حملة التبرُّعات التي تقوم بها المؤسَّسة لاستمراريَّتها. أظهر الغنيُّ اهتمامًا كبيرًا بالموضوع واستمع إلينا حتَّى النهاية، فاستبشرتُ منه خيرًا. ولمَّا انتهينا من حديثنا، قال لنا: “إنَّني أثني على عملكم الخيِّر، وما تقوم به المؤسَّسة الكريمة من مساعدات لذوي الحاجات الصحِّيَّة والاجتماعيَّة، لكنَّني في الوقت الحاليّ أنا أستعدُّ لإنشاء مؤسَّسة خيريَّة خاصَّة بي تُعنى بشكل خاصّ بالمصابين بمرض السرطان، وهذا يتطلَّب صرْف مبالغ كبيرة من المال. لذا أرجو أن تقبلا اعتذاري عن تقديم أيَّة مساعدة لكما في الوقت الحاليّ، فربَّما بعد فترة وجيزة عند الانتهاء من التأسيس، أستطيع أن أقدِّم مبلغًا متواضعًا لمؤسَّستكم.”
وما إن انتهى من حديثه حتَّى ولج إلى المكتب موظَّف من وزارة الدفاع، ما إن رآه المتموِّل حتَّى هبَّ لاستقباله وطلب منه القعود ريثما يوقِّع له الشيك. وبعد أن وقَّعه، فتح الجارور يبحث عن مغلَّف، عندئذٍ هبَّت نسمة هواء آتية من الشباك المفتوح خلف المتموِّل، فطار الشيك من على المكتب ووقع أمام رجليَّ. التقطته وأعادته إليه بعدما قرأت عليه رقم مبلغ محترم لوزارة الدفاع.
بعدما أعطى الشيك للموظَّف وصرفه بسلام، قال موجِّهًا حديثه إلينا: “تسعى وزارة الدفاع شراء مجموعة من الأسلحة بسعر مغرٍ من إحدى الدول الأجنبيَّة. ومن واجب كلِّ مواطن صالح أن يشارك ولو بمبلغ زهيد من أجل تأمين الحماية اللازمة للوطن. أليس كذلك؟”
مضى على هذه الحادثة ما يقارب العشر سنوات، وحتَّى الساعة لم يتمَّ التأسيس بعد، ولم يرسل ذلك المتموِّل أيَّ مبلغ لمؤسَّستنا الخيريَّة…
هذا هو عالمنا الذي نعيش فيه. تسعى كلُّ الدول إلى التسلُّح وتجهيز نفسها لصدِّ أيِّ هجوم قد يحدث، وهي تركن إلى أصحاب المال الوفير لدعمها مادّيًّا للحصول على قدر كبير من الأسلحة. وفي المقابل، بينما يتعب الكثير من المتطوِّعين وأصحاب الأيادي البيضاء في مؤسَّسات خيريَّة لمساعدة الفقراء وأصحاب العاهات وذوي الحاجات الخاصَّة، نرى أنَّ آخرين يستغلُّون صورة المؤسَّسات الخيريَّة للاستلاء على ما يُجمع من المال، ممَّا حدا بالأغنياء أن يصرفوا النظر عن مساعدة المؤسَّسات الخيريَّة التي تعمل فعلاً لأجل تخفيف معاناة الناس، أو إنَّهم لا يهتمُّون أصلاً إلى هكذا مؤسَّسات، فالمال بالنسبة إليهم للتبذير والتدمير، لا للأمان والبنيان.
فالشرُّ هو أهون السبل، بينما فعل الخير يتطلَّب جهدًا وتضحية. ما أسهل أن تقتل إنسانًا مريضًا برصاصة واحدة، من أن تقضي العمر في تطبيبه! بالموادّ الضارَّة تستطيع أن تصنع فرّوجًا للأكل خلال أسبوع واحد، بينما في الوسائل الطبيعيَّة تحتاج إلى أكثر من شهرين…
أن تجد المال لصنع الحروب أسهل من أن تجده لصنع الخير والسلام….