فهمي جدعان: التحرّر من الأغلال

 

موسى برهومه –

 

الأول نيوز -أوّل ما علِق في بالي عندما أنهيتُ قراءة سيرة الدكتور فهمي جدعان “طائر التَّم: حكايات جنى الخُطا والأيام” هو البوح المتدفّق. ثمة قدرة مدهشة على وصف الذات والتحديق في المناطق المعتمة الثاوية في شخصية جدعان، والتي لم يبُح بها من قبل بمثل هذا الاسترسال والكشف والتداعي.

ولمن يعرف الدكتور جدعان، فهو إجمالاً كائن قليل الكلام فيما خصّ شؤونه الشخصيّة، وأحياناً يبدو متحفّظاً. وقد نشأت بيني بينه علاقة ودودة، لم تنفصم عراها، منذ كنتُ طالباً نهلت من معينه مبادىء الفلسفة في الجامعة الأردنيّة، أواسط ثمانينات القرن الماضي.

وخلال هذه الفترة الممتدّة لم أكن أعرف إلا النزْر اليسير عن تلك الطفولة المعذَّبة التي عاشها في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيّين في دمشق. كانت فترة مقدودة من الجحيم الذي عبّر عنه فهمي جدعان بلغة متوتّرة مشحونة بأقصى درجات الألم والخوف والغضب.

إذاً، الكتابة، بعد أكثر من ستين عاماً، تحرّر جدعان من أغلاله، وتُميط اللثام عن ذكريات، لو لم يرصدها ويوثقها في “طائر التم”، لظلت حبيسة النسيان والتلاشي. فشكراً لهذه السيرة التي حرّرت الطائر، وعوّضتنا عن العذاب بالعذوبة، وكسرت سجون الصمت.

“طائر التم”، كما تقول سيرة جدعان، يتمثّله المخيال الميثولوجيّ في ألوان. ملكي، نبيل، سامٍ، ذو إهاب، وجيه، خطو مهيب، واثقٌ، معجب بنفسه، وفيٌّ لمن يحب، يحتمل الهجرة إلى أماكن بعيدة وعديدة. يقرنه الشاعر الفرنسي بودلير في ديوانه الموسوم “أزهار الشر” بالوضع الوجوديّ المسكون بالذكرى والفقد والتمني والألم.

قال جدعان الكثير في سيرته، وعضّ على كثير لم يقيّض لاسترساله أن يبلغه، فقد كان المحرّرُ غير المنطلق (ببحبوحة) في داخله يوقظ الإشارات الحمراء عند لحظات فيها عريٌ نفسيّ شديد لم يقوَ الكاتب على تحويله إلى مفردات ناطقة ومشخّصة.

وقد كنت سألتُ الدكتور جدعان، في آخر لقاء لنا في مكة مول بعمّان، عن أشياء أخفاها، وأخرى سكت عنها، ولحظات لم يعطِها مداها من البوح، فاعترف أنه فعل ذلك لاعتبارات متّصلة بعدم استطاعته البوح الذي بلا ضفاف، وكأنه يضمر بأنّ ما باح به كان أكثرَ مما حلم هو نفسه، وأشدّ حميميّة مما يتوقّعه قارىء مثلي تعرّف على صورة أخرى وراء شخصيّة الأكاديميّ والمفكّر المرموق، خرّيج السوربون، والذوّاق المشغول بالمنمنمات الذي يسكن في داخله شاعرٌ رقيق وعاشق فذّ للجمال والحريّة.

وأمّا لغة “طائر التمّ” فهي سياحة روحيّة فريدة الأوصاف، وقد كنتُ بآمر من التلذّذ أعيد قراءة صفحات وصفحات ترنّماً وتأمّلاً ونهلاً لا يتوقف من ينابيع لغة لا تشبه إلا صاحبها في بلاغته وفرادة أسلوبه وفصاحته ونحته الذي بلا إسراف أو تقعّر.

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المرأة في مواجهة اقتصاد الذكاء الاصطناعي: فجوة رقمية أم فرصة للتمكين الاقتصادي؟

الاول نيوز – د.مارسيل جوينات في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي …