من أين الشجاعة؟

 

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – أخبرني شابٌّ أنَّه كان يخاف كثيرًا من الظلمة إذ تعرَّض في صغره إلى حادثة كوَّنت لديه نوعًا من الفوبيا. يتحاشى أن يسير ليلاً وهو وحيد. تعرَّف إلى صبيَّة وعشقها من النظرة الأولى. وراح يتردَّد إليها يوميًّا إلى أن تعطَّلت سيَّارته ليلة أثناء ذهابه إلى منزل والديها. اتَّصل بها ليعتذر عن المجيء فالجوُّ مظلم والدرب طويلة. فأخبرته أنَّها تنتظره بفارغ الصبر فهناك مفاجأة بانتظاره وختمت كلامها: “أحبُّك، أحبُّك، أحبُّك”.

شعر الشابّ بدفق من السعادة غمر قلبه وبدفع من الشجاعة لم يعهده من قبل، فانطلق سائرًا نحو بيت الحبيبة غير هيَّاب من وحشة الليل. وصل إلى بيت الحبيبة وهو مملوء فرحًا. ولمّا دخل عليها بادرته بالقول: “لم أتوقَّع أن تأتي إليَّ في هذا الليل المظلم. أعرف جيِّدًا أنَّك تخاف من الظلمة، لكنَّني أردتُ أن أختبر شجاعة الإنسان عندما يشعر أنَّه محبوب فعلاً من شخص يحبُّه. وها إنَّ حدْثي صدق”…

من أين تأتي الشجاعة عند أشخاص كثيرين يشعرون بالخطر محدقًا على الحبيب فيُعرِّضون ذواتهم للخطر وأحيانًا كثيرة للموت في سبيل إنقاذ من يحبُّون؟ هذه الشجاعة تأتي من شعور الإنسان أنَّه يحبُّ شخصًا يبادله الحبَّ ذاته. يكفي أن نذكر قصَّة روميو وجوليات اللذين أقدما على الانتحار لأنَّ كلَّ واحد منهما رأى الحبيب ميتًا أمامه.

من أين تأتي الشجاعة لدى جنديّ يعرِّض حياته للخطر في سبيل إنقاذ بلده من هجوم أعداء للاستيلاء عليه؟ تأتي من حبِّه لوطنه ودفاعًا عن أشخاص وضعوا ثقتهم في جيش بلادهم ليدافع عنهم.

من أين تأتي الشجاعة لدى ولد يرمي بذاته نحو المجهول لدى سماعه صوت أبيه يناديه: ارمِ بحالك من الشبَّاك فالبيت يحترق، وأنا تحتك لألتقتك؟ هو شعوره بأنَّ أباه يحبُّه وهو قادر أن ينقذه من النيران.

من أين تأتي الشجاعة لدى شابّ لا يحسن السباحة يرمي بذاته في المياه لينقذ فتاة أحلامه؟ أو آخر يعرِّض نفسه بشجاعة للخطر كي يُعجب فتاة يحبُّها بجنون؟

من أين تأتي الشجاعة لدى كسيح يرى أمامه ولده يتعرَّض للخطر، فيقوم من عن كرسيّه النقَّال لينقذه من الخطر المحدق به فيعود صحيحًا؟ من الحبِّ الذي يصنع المستحيل.

لا أحد يعرف قوَّة الحبِّ إلاَّ من يختبره فعلاً. وإن تساءل إنسان عن أيِّ حبٍّ نتكلَّم؟ فكما رأينا في الأمثلة أعلاه إنَّ كلَّ أنواع الحبّ قادرة أن تصنع المستحيل.

فلمَ يبحث الإنسان إذًا عن البغض والحقد والكراهية في حياته؟ لماذا لا يعيش المحبَّة تجاه أخيه الإنسان دون غاية؟ لأنَّه بكلِّ بساطة لا يعرف أنَّ المحبَّة فعلاً تصنع المعجزات، بل هي، أكثر من ذلك، تشفي من علل كثيرة وأمراض مستعصية، لا بل تفكُّ عِقدًا نفسيَّة وروحيَّة جمَّة.

إن شئت أن تتغلَّب على ضعفك فما عليك إلاَّ أن تحبّ. فكم يصبح المرء شجاعًا، وأحيانًا كثيرة سليمًا، عندما يتأكَّد أنَّه محبوب!

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المرأة في مواجهة اقتصاد الذكاء الاصطناعي: فجوة رقمية أم فرصة للتمكين الاقتصادي؟

الاول نيوز – د.مارسيل جوينات في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي …