(منتدى البحرين للحوار: الشرق والغرب من أجل تعايش إنساني)
القس سامر عازر –
الأول نيوز – نالت كلمة “تعايش” في الفترة القريبة الماضية الكثير من التباين في وجهات النظر المختلفة في بلدنا الأردن وخصوصاً عند الحديث عن الشأن الديني. فالبعض ينظر إلى ضرورة التعايش بين المسلمين والمسيحيين وكأننا غرباء عن بعضنا البعض ، وأما البعض الآخر فيرفض هذه الكلمة جملة وتفصيلا ويصفها بأنها كلمة دخيلة على واقع مجتمعنا الأردني، إذ لا تعبّر عن واقع حالنا فيما يخص عيشنا المشترك أو العيش الواحد، حيث ينصهر الأردنيون من شتى المنابت والأصول، مسلمين ومسيحيين، في بوتقة المواطنة الأردنية، التي هي المظلة الكبرى التي تُظلّل الجميع وتوفّر الحرية والحماية لكل منهم لممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية بكُّلِ يُسرٍ وأمان، فجميعُ الأردنيين أمام القانون سواء بحسب الدستور الأردني ويكفينا هذا فخراً.
وكلمة تعايش باللغة الإنجليزية هي coexistence ، وربما في المجتمعات الغربية هناك ضرورة وحاجة أن تتعايش المجتمعات الغربية غير المتجانسة أصلاً هذه الأيام من حيث العرق أو الجنس أو اللون أو الدين بسبب الهجرات المتتالية أو موجات اللجوء القسري والطوعي. ورغم أن هذه المجتمعات يسودها ديموقراطية وعدالة وسيادة قانون إلا أن الأحداث على الأرض أثبتت ضرورة أن يكون هناك حالة من التعايش فيما بين كل مكونات المجتمعات الغربية وتعايشها ولا سيما فيما يخص الشأن الديني خصوصاً مع نمو حركات اليمين المتطّرف.
وأما في شرقنا العربي وفي بلدنا الأردن بالتحديد فنحن أصلاً شعبٌ واحدٌ تجمعنا معاً لغةٌ واحدة وحضارة واحدة وثقافة واحدة رغم إسلاميتنا أو مسيحيتنا. فاللغة العربية هي لغتُنا الأم التي نفتخر ونعتّز بها. وقد كان لمسيحيي جبل لبنان الدور الأكبر في الحفاظ عليها في وجه التتريك وفي طباعة القرآن الكريم، وثقافتنا كعربٍ مسلمينَ ومسيحيين هي الثقافة العربية التي ننتمي إليها وساهمنا فيها وتشكِّل جزءًا من هويتنا وتراثنا وعاداتنا وتقاليدنا وحتى في لباسنا. وأما حضارتُنا فهي الحضارة العربية الإسلامية التي لعبَ العربُ المسيحيون ماضيا وحاضرا دوراً كبيراً فيها رغم الإحتفاظ بخصوصيتهم وطقوسهم وممارساتهم.
ودور العرب المسيحيون جوهري في مستقبل المنطقة كما جاء في خطاب صاحب الجلالة الهاشمية جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم في الجمعية العامة للأمم المتحدة في العشرين من الشهر الماضي أيلول ٢٠٢٢ حيث قال أن “المسيحية جزء لا يتجزأ من ماضي منطقتنا والأراضي المقدسة وحاضرها، ويجب أن تبقى جزءا أساسيًا من مستقبلنا”، و”كقائد مسلم، دعوني أؤكد لكم بوضوح أننا ملتزمون بالدفاع عن الحقوق والتراث الأصيل والهوية التاريخية للمسيحيين في منطقتنا، وخاصة في القدس”.
فالعرب المسيحيون هم أصل هذه البلاد وليسوا غرباء عن أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم وليسوا بضاعة مستوردة من الغرب، ويبقى واجب الحفاظ على استمرارية وجهودهم في ظل سياسات تفريغ المنطقة من أهلها وتغيير واقعها الديموغرافي هو مسؤولية كبيرة تقع على عاتق دولهم وقياداتهم السياسية.
وأما فيما يخّص المؤتمر الذي سينعقد في بداية الشهر القادم تشرين الثاني في البحرين بعنوان ” منتدى البحرين للحوار: الشرق والغرب من أجل تعايش إنساني” ويلتقى فيه قداسة الحبر الأعظم البابا فرنسيس والأمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر وأعضاء مجلس حكماء المسلمين، فما إنعقاد هذا المؤتمر في هذه الظروف الحساسة والدقيقة إلا تأكيداً على ضرورة إحياء بناء هذا المركب الإنساني معاً، فإما أن ننجو معاً أو أن نغرق معاً. فتحديات الحياة في ظل افرازات الحرب الروسية الأوكرانية كبيرة جداً بعد تداعيات الكورونا، وكذلك الحديث عن حرب عالمية ثالثة ونووية محدودة وخطر على السلم العالمي ونقص في الغذاء العالمي، حيث يتعرض ما يقارب نصف مليار إنسان إلى خطر نقص الغذاء.
وأما دور الدين والإيمان فيجب أن يرتقى إلى مستوى المسؤولية للعمل من أجل خدمة البشرية جمعاء، فالدين ليس عامل فرقة واقتتال وإنما حياة روحانية يجب أن يحياها كلُّ منا من أجل مناجاة الله وخدمةَ كلِّ الناس بغضِّ النظر على انتماءاتهم وقناعاتهم الدينية.
فكم مهم إذا أن يكون شعارنا من اليوم فصاعداً “التعايش الإنساني”، ترفده الأديان برحيق الحياة والحب والجمال والسلام.