متى يكون استهداف السدود عملا مشروعا في القانون الإنساني ؟

أيمن سلامة –

 

الأول نيوز – درجت إسرائيل أثناء حرب الاستنزاف التي خاضتها مصر على مدار خمسة أعوام 1968-1973 على استهداف العديد من الأعيان المدنية المحضة غير المشاركة عسكرياً في النزاع المسلح بين الدولتين، وتعد الأمثلة الآتية هي الأمثلة الصارخة التي تضرب في هذا السياق: قصف مدرسة بحر البقر الابتدائية في محافظة الشرقية، وكوبري قنا، وقناطر نجع حمادي، ومحطة محولات نجع حمادي .

نفذ المظليون الإسرائيليون يوم 31 أكتوبر 1968عملية خاصة في داخل العمق المصري أطلقت عليها إسرائيل عملية الصدمة، واستهدفت أهداف مصرية مدنية بحتة لا تشارك في العدائيات العسكري بين مصر وإسرائيل ،كما لا تعاون المجهود الحربي المصري، واستهدفت العملية الإسرائيلية كوبري قنا المُنشأ حديثاً الواقع على بعد 280 ميلاً جنوب القاهرة وجسر قناطر نجع حمادي الواقعة على بعد 35 ميلاً شمال غرب قنا ، ومحطة محولات نجع حمادي القريبة من القناطر التي تَمد المنطقة بالكهرباء ، وتعتبر محطة فرعية لخط الجهد العالي بين القاهرة وسد أسوان.

نافل القول ، قامت إسرائيل بهذه الهجمات الجبانة التي تخرق المبادئ الأساسية لقانون الدولي الإنساني والتي تتمحور كلها على حماية المدنيين غير المساهمين في العدائيات العسكرية ، ولذلك لا يجوز الانتقام من الأعيان المدنية أو الأشخاص المدنيين أثناء النزاعات المسلحة ، حيث حاقت إسرائيل باستهدافها الأعيان المصرية سواء بقصف مدرسة بحر البقر في الدلتا المصرية عام 1970، أو في صعيد مصر في عام 1968، بكافة المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني: الإنسانية، والضرورة العسكرية، والتمييز، والحيطة، وتأتي هذه الخروقات الإسرائيلية المتواترة والممنهجة لتؤكد بما لا يدع مجال للشك أن ارتكاب الجرائم الدولية بحق المدنيين العزل الأبرياء بغية ترهيبهم، هي سياسة عامة لإسرائيلي ما برحت تلجأ إليها في كل نزاعاتها المسلحة، ودون اعتبار للمواثيق الدولية للقانون الدولي الإنساني التي انضمت لها إسرائيل، فضلاً عن سائر المواثيق الأخرى لذات القانون ذات الطبيعة والأساس العرفيين.

جلي أن الأعيان المدنية المحمية هي في الأساس منشآت أو مركبات لها استخدامات مدنية (أو مدنية في الغالب) وليست عسكرية؛ ومن ثم لا يجوز استهدافها أثناء العدائيات العسكرية، ووفقاً لمبدأ راسخ في القانون الدولي الإنساني العرفي، يجب على أطراف النزاع المسلح التمييز بين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية، ويتجسد “مبدأ التمييز” هذا في العديد من أحكام اتفاقيات جنيف، لكنه يجد تعبيراً مباشراً بشكل خاص في المادتين 51 و52 من البروتوكول الإضافي الأول.

يرجع التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية إلى سببين يماثلان تماماً السببين اللذان أوجبا التمييز بين المدنيين والمقاتلين فالأهداف العسكرية تسهم مساهمة فعلية في العمل العسكري، ومن ثم تجوز مهاجمتها أو أن تدميرها يحقق ميزة عسكرية أكيدة، أما الأعيان المدنية فليس لها مثل هذه المساهمة الفعلية، ولا يحقق تدميرها أو تعطيلها أو إتلافها أي ميزة عسكرية تذكر، ومن هنا عدم جواز مهاجمتها.

تم تعريف الأهداف المدنية المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني ، بأنها تلك التي لا تنتج مباشرة الأسلحة والمواد العسكرية ووسائل القتال، أو تلك التي لا تستخدم مباشرة وفي الحال

بواسطة القوات المسلحة، وفي سبيل ذات التعريف تقدمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بتعريف للأعيان المدنية، يعتمد على وظيفة الهدف، وقد جاء على النحو الآتي: الأعيان المدنية هي تلك الأهداف المخصصة بصفة أساسية وضرورية للسكان المدنيين، وأضاف التعريف إلى ذلك بعض الأعيان التي تعد مدنية، مثل المساكن والمنشآت التي تؤوي السكان المدنيين، والتي تحتوي على مواردهم الغذائية ومصادر المياه، كما أضافت اللجنة تعريفاً للأهداف العسكرية فوصفتها بأنها: الأهداف التي بطبيعتها واستعمالها تسهم إسهاماً فعالاً ومباشراً في المجهود الحربي للخصم، ويتضح من هذا التعريف أنه اعتمد على المعيارين معا: معيار طبيعة الهدف وكذلك معیار استخدامه.

باختصار غير مخل يمكن تصنيف السد كهدف عسكري ، إن كان استهدافه سيوفر للمحارب المهاجم ميزة عسكرية على العدة ، ويحرم العدو في ذات الوقت من ميزات عسكرية كتوفير الطاقة الكهربية أو الميكانيكية لذلك العدو المحارب ، ولكن يجب أن يؤخذ الضرر العرضي المتوقع للمدنيين أو الأضرار الجانبية للأعيان المدنية غير المساهمة في العدائيات العسكرية في الاعتبار

في كل الحالات و الأوقات و الظروف لا ينبغي قصف السدود والمنشآت الأخرى ، التي إذا تم اختراقها أو تدميرها ، فإنها ستطلق مياه الفيضانات أو غيرها من القوى التي تشكل خطرًا على السكان المدنيين ، وإذا كان الضرر المتوقع على المدنيين سيكون مفرطًا مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة التي سيتم اكتسابها عن طريق القصف .

ختاما ، يلتزم القائد العسكري قبل استهداف السدود بدراسة معادلة حسابية قانونية مركبة ، لا يضع في صدارتها تحقيق الميزة العسكرية وحسب ، ولكن يضع أيضا بالتوازي معها مبدأ الإنسانية الذي يحمي المدنيين بوجه عام ، ومبدأ الحيطة الذي يحميهم بوجه خاص قبل وثناء وبعد الاستهداف ، ومبدأ عدم إلحاق معاناة و ضررمفرطين لا طائل منهما بالمدنيين المحيطين بالعين المستهدفة مثل السدود.

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

“جاجة حفرت على رأسها عفرت”

صلاح ابو هنّود   –   مخرج وكاتب–   الأول نيوز- لم تعد تحرّكات الأساطيل مجرّد …