بناء المجتمع

 

 

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – عندما وصلت إلى الصفّ الثامن، قام أحد الأساتذة باختبار بسيط جدًّا، إذ رسم شمعة على اللوح الخشبيّ أمام التلاميذ وطلب منَّا أن نرسم شمعة مثلها على ورقة وأن نقدِّم أوراقنا له دون ذكر اسمنا. جمع تلك الأوراق وأخذها معه. وفي اليوم التالي، طلب من كلِّ تلميذ أن يتعرَّف على رسمته ويأخذها. وكتب على اللوح: هناك ثلاث ملاحظات دوَّنتها على الرسمات: شديد الملاحظة (عدد 1)، عديم الملاحظة (عدد 1)، قليل الملاحظة (عدد 18). ثمَّ طلب من التلميذ الذي دوِّنت على رسمته عبارة: شديد الملاحظة، أن يقف ويصفِّق له بقيَّة التلامذة. وكانت التلميذة التي نالت التنويه هي الأولى دائمًا في الصفّ. وتابع الأستاذ كلامه: “لم أشكَّ لحظة واحدة أن تكون الأولى في الصفّ هي التي نالت التنويه. فالمجتهد ليس بحاجة أن يقضي وقته في الدرس بل أن يكون شديد الملاحظة. لم يلاحظ أحد منكم سوى رفيقتكم أنَّني وضعتُ ثلاث نقاط بشكل مثلَّث داخل الشمعة…”

دفعتني تلك المعلومة أن أكون شديد الملاحظة في كلِّ أمر يمرُّ أمامي. وأدركتُ فعلاً أنَّ الاجتهاد لا يتطلَّب وقتًا طويلاً في الدرس بقدر ما يتطلَّب تركيزًا وفهمًا لما أدرسه، فيصبح من السهل استيعابه وحفظه. بالطبع تختلف الطبائع البشريَّة وقدرة الاستيعاب بين شخص وآخر، لكنَّ التمرين على التركيز يساعد الإنسان كي يصبح شديد الملاحظة.

لذلك، عندما أصبحت معلِّمًا كنتُ أستعمل رسمة الشمعة في الحصَّة الأولى طالبًا من التلامذة أن يرسموا مثلها وكنتُ أشدِّد دائمًا على ضرورة التركيز على شرح المعلِّم في أيَّة مادَّة كانت، لاستيعاب الدرس في الصفّ لأنَّ هذا الأمر يقلِّل أوقات المذاكرة في البيت. وكثير من الطلاَّب اجتهدوا في هذا الأمر فأحرزوا تقدُّمًا ملحوظًا.

أحيانًا كثيرة لا يحتاج المرء إلى شروحات كثيرة، يكفي أن نعطيه مثلاً لكي يستوعب الأمر ويفهم المطلوب. وهذا ما نلاحظه في حياتنا اليوميَّة. يتعلَّم الأولاد من والديهم. فالأهل هم أوَّل مدرسة لهم. يحاولون أن يقلِّدوهم، ويتصرَّفوا على مثالهم. فكما يتصرَّف الأهل يتصرَّف الأولاد. ينتعل الطفل حذاء أبيه ويلبس ربطة عنقه ويأخذ دور الأب في غياب والده، فيعنِّف إخوته أو يسعى إلى تربيتهم ومحاولة إصلاحهم مقلِّدًا والده. وتراقب الطفلة أمَّها لتقلّدها، فتلبس ثيابها، وتنتعل حذاءها، وأحيانًا كثيرة تضع المساحيق على وجهها، لاسيَّما  أحمر الشفاه، اقتداءً بها، وحين تكون وحدها تقلِّد معلِّمتها في تعليم تلامذة وهميِّين… وكثيرًا ما ينجح الأولاد في التقليد والتمثيل بسبب شدَّة مراقبتهم وانتباههم لأدقِّ التفاصيل. وهؤلاء الأولاد يُظهرون أكثر اجتهادًا من غيرهم.

يا أيُّها الكبار، أهلاً ومعلِّمين، أنتم مراقَبون! نعم، مراقَبون من أولادكم وتلامذتكم. وبالتالي، نحن نستطيع أن نكون مثالاً يُحتذى به، كما يمكن أن نكون مثلاً سيِّئًا أمام الآخرين. فلنحسنِ التصرُّف أمام الصغار، تربيتنا الصالحة تجعل المجتمع المقبل صالحًا. وهكذا، يبقى المثال الحيُّ هو أعظم مدرسة أمام الصغار، ومنه نستشرف جيلاً صالحًا!

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

“جاجة حفرت على رأسها عفرت”

صلاح ابو هنّود   –   مخرج وكاتب–   الأول نيوز- لم تعد تحرّكات الأساطيل مجرّد …