ثائر أبو عياش –
الأول نيوز – تَلَحَّفَت جسدَها بيديها كأنها شجرةٌ صغيرةٌ تخبئ أغْصانَهَا تحتَ الورقاتِ الناضجةِ رغم قنابلِ الغازِ التي أطلقَها الجنودُ منذُ أسبوعين وهم يطاردون رُماةَ الحِجارةِ، وأكثرَ رغمَ النارِ التي اشتعلت ليلاً من قِبَلِ مجموعاتٍ تطلق على نفسها حارسةَ التلمود.
سألها: هل تشعرين بالبرد؟
ضَحِكَتْ، وقالت: “نعم.. كثيراً”.
ذُهِلَ، وَوَجَدَ نفسه يقول: “لكن درجاتِ الحرارةِ مرتفعةٌ، نحن في فصل الصيف! انظري إلى الفراشاتِ إنَّهنَّ كشهداءِ وطني يملؤون المكانَ بالأمل”.
كانت نظراتُها كالعادة تسأل: “لماذا تتجاهل مغزى كلماتي دائماً، أنت تعشقُ استفزازي، عَيْنَاهُ تتابع العود الصغير الذي يَحْفِرُ فيه تحت شجرةِ صنوبرٍ صغيرةٍ نبتت حديثاً في الأرض، ولكن عقلَه كان يَنشدُ إلى الاستمرار في هذا الحوار، لأنه لم يكن يفكر في الانتصار بالكلمات، بل كان يؤمن أن استمرارَ الحوارِ هو النصرُ الأبدي، ولذلك سألها: “ماذا تقصدين؟”.
قالت ورأسها مُتَّكِئٌ على جذع الشجرة: “أنا أشعر بالخوف، وليس البرد”، ضحك في صدره، وسألها: “فعلاً؟”، صرخت مرةً أخرى بملءِ الحبِ، وقالت: “فعلاً! متى عليك أن تفهم، متى؟ أنا خائفة من عينيكَ!” احْتَضَنَ كلماتِها محاولاً نزعَ فتيلِ الخوفِ كما ينزعُ المقاومُ صمامَ القنبلةِ الأخيرةِ في المعركة، وسألها: “لماذا كل هذا الخوف؟”.
تناثرتْ الإجابةُ مع الرياحِ الساخنة اللطيفة التي تداعبُ النارَ المشتعلةَ تحت وعاءِ القهوة، حيث لم تمنعِ الحجارةَ الرياحَ من الدخولِ إلى النار، ولذلك نهضَ من مكانِهِ وبدأ محاولاً إشعالَ النارِ من جديد، نظرت إليه كما تنظرُ الأمُ إلى طفلِها الصغيرِ وهو نائمٌ في فراشِهِ بعدَ أن أرضعتْهُ، وقالتْ لهُ: “أرجوكَ لا تضعْ أعوادًا جديدةً على النار، لا تشعلْها مجدداً، دع الريح تدخل إلى النار وتطفِئُها”، قام بتحريك القهوة بعودٍ صغير، وقال لها: “يجب أن نشربَ القهوة، لأن القهوةَ فاكهةُ الصباحِ، والحبِ، وهذا يحتاج أن تكونَ النارُ مشتعلةً بقوة”.
أَشاحَتْ بوجهها عن الجمرات الصغيرة التي تداعب الوعاء، وقالت لذاتها: “كم هو بارع، إنَّه يفهم ماذا أقصد، ولكنه كعادته يراوغ”، وانسابت مع الذكريات وهي تنظر إلى عصفور صغير بدأ يحوم في المكان، ويطلق الأصوات كأنَّه يحتج عليهم، ويقول لهم: “هذا المكان لي، ابتعدوا، بعد قليل تأتي عصفورتي، إنَّه موعدها، أنتم تحتلون المكان”.
نقر بيده على كتفها، وقال لها: “تفضلي، إنَّه كوبٌ من القهوة صنعته خصيصاً لكِ على النار المشتعلة بالحطب، بعيداً عن غاز الحروب، إنَّه كوبُ قهوةٍ نظيف، ليس ثمنه دماء الأبرياء”، ضحكت حتى عادت الضحكةُ من خلف الجبال القاحلة بالحياة، وقالت له: “غريبٌ أنت، تتحدث عن الحروب، ولكنه وقت الحب”، عاد وجلس مكانه فوق الصخرة التي تحتضن حرارةَ الشمس، بالقرب من شجرة الزيتون التي ترمي ظلها عليهم كما يرمي القمرُ الضوءَ على الأرضِ ليلاً، وقالَ لها بعدَ أن ذاقَ القهوةَ برشفةٍ صغيرة: “الحرب عدوةٌ للحب، كيف سيعيش الحب وهم يصنعون الدمارَ، وجثثَ الأطفال، والأسواقَ الكاذبةِ، والمركباتِ المفخخةِ، والأيديولوجيا، والعقيدةَ، والحرياتِ المطلقة؟، إننا نقاتلُ في هذا العالم في سبيلِ أن ينتصرَ الحبُ، والإنسانيةُ، والعدالةُ الاجتماعية، إن الحب لا يعيشُ بدون الأمان، إن الأمانَ شرطُ أساسيٌ ليعيشَ الحبُ، وأكثر ليعيشَ الإنسانُ عزيزتي”.
أشعلَ سيجارةً وقدمها لها، وتناولَ واحدةً له، حيث كان يؤمن أنَّ هناك تحالفًا سريًا بين القهوة والسيجارة كما التحالف السري بين الدول التي تسرقُ قوتَ الشعوب، سألته محاولة انتشاله من الغرق في السياسة: “متى ستقلع عن التدخين؟ قال لها بسخرية: “عندما أقلع عن الحب، والقهوة، وعندما يقلع العالم عن الحرب”، شعرت أنها فشلت في استعادة الحب معه، وبدأت بالغناء، والاستمتاع مع السيجارة، وتذوق رائحة الزمان في الحجارة.
كان يفكرُ بالحرب، وهي تفكر بالحب، هكذا كان معنى الصمت قبل أن ينتهي كوب القهوة، وفجأة سألته: “هل تريد إجابة؟”.
قال لها: “لا.. أريد الحقيقة”.
سأقول لك شيئاً: “أشعر أن عينيك رصاصةُ جنديٍ يهددني بها بالموت لأنني أرفض عبودية الحب السائل في هذا العالم”، خرجت منها الكلماتُ وهي تحاول أن تربطَ بين الحب والحرب، وانتظرت منه الإجابة لتعلم إذا نجحت في ذلك، قال لها: “لا.. هذا تشبيهٌ خطير، أعتقد أن عينيَّ مرآةٌ تشاهدين فيها حقيقةَ جمالك، وأنتِ خائفةٌ أن تتكسرَ هذه المرآة”، وأكملَ يقول بعد أن هربَ العصفورُ من ضحكتِها: “عيناي يشبهان لون الأرض، وأنتِ خائفةٌ من أن تفتقدي هذه الأرض مثلما يخافُ المقاتلُ فقدانَ رصاصته الأخيرةَ في الحرب، تلك الخيبةُ الأخيرةُ التي تحدثُ ثقباً في جدوى الاشتباك، لا الاستسلامُ هنا هزيمة، ولا الشهادةُ انتصار، حيث الجدوى الوحيدة التي يبحث عنها المقاتلُ هي استمراريةُ الاشتباكِ أولاً، استمراريةُ الاشتباك أبداً، حيث الاستمرارية هنا هي الثقبُ الصغيرُ في جدارِ الخيبةِ التي ينفذ منه الانتصار”.
تناثر رمادُ النارِ بجانب الحجارةِ كأنه يقولُ: “حان موعدُ الرحيلِ”، قالت له لحظتَها: “أنتَ ملكُ الإجاباتِ، هل تعلم أنتَ إجابتي الأبدية، وسألتْهُ: مَنْ أنت؟”، قال لها وهو يبحث عن العصفورِ، حيثُ لم يشاهدْهُ عندما رحل، لقد كان ينظر إلى أفكارِها وقتَها: أنا مثلُ العصفور، أشعرُ أن هذا العالمَ ملكُ لي، السماءُ لي، أطير فيها دونَ قيودٍ، والأرضُ لي، أنامُ فوقَ أية شجرةٍ أحبُها وأرفضُ حربَ الفلاحين ضدي، أهاجرُ كلما شعرتُ بالخوفِ منَ المَكَانِ، أُحبُ كُلَ العصافيرِ، وعدويَ القفصُ”.
تلحفتْ برأسها كتفَه، وقالتْ محاولةً استعادةَ بوصلةِ الحبِ، لا الوقت، وكانت تتذكر اللقاءَ الأولَ بينهما: “اشتقتُ لك”، قال لها: “وأنا أيضاً”، ولكنه كان يفكرُ في الخبرِ الذي قرأهُ في الجريدة صباحاً: “الرئيس يهددُ باستخدامِ القنبلةِ النوويةِ دفاعاً عن الحضارةِ”.
