الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – دعيتُ إلى أمسيَّة شعريَّة حيثُ تجمَّع أهل الأدب والشعر، مع أهلِ السياسة والصحافة. تحوَّلت السهرة إلى كلمات تشيد بالشعر والأدب العربيّ. قليلون من شعروا بالامتعاض وأنا من بينهم. فمعظم الذين تكلَّموا أخطأوا في الصرف والنحو، حتَّى فاقت أخطاؤهم الحدَّ المقبول. وإذا بأديب معروف يلتمس الكلام من مقدِّم الحفل، فأذن له. صعد إلى المنبر، ونظر حوله نظرة حزينة وبعد برهة صمت قال:
- “عار علينا نحن الذين ندَّعي أنَّنا أدباء وشعراء، ألاَّ يكون بيننا من يلقي خطابًا أو كلمة، مهما قصرت، دون أن يرتكب فيها أخطاء. أين أضحت لغتنا العربيَّة، نحن الذين نتغنَّى بالعروبة والعرب. أصبح فاعل جملنا مفعولاً به، والمجرورُ منصوبًا. لا يعرف الخطيب أن يميِّز بين حرف قمريّ وحرف شمسيّ. كلُّ واحد منَّا يلقي خطابًا باللغة العربيَّة الفصحى وهو لا يعرف متى يُرفع الاسم ومتى يُنصب… أما كان أجدر بكم، يا حضرة المتكلِّمين، أن تُلقوا كلماتكم باللغة العاميَّة، هربًا من أخطاء قد ترتكبون؟ أما كان أفضل لكم، أن تهيِّئوا كلماتِكم بشكل جيِّد، لئلاَّ تجعلوا من أنفسكم مصدر هزء وسخرية، وأنتم تدَّعون أنَّكم من أهل الفكر والأدب؟…
وما قاله صاحبنا في كلامه، ألا يصحُّ أن يُقال في المقالات التي تُكتب في هذه المجلَّة أو تلك؟ كم من الأخطاء التي تُرتكب بحقِّ اللغة العربيَّة وآدابها! كلُّنا يقع في الخطأ، وهذا أمر طبيعيّ، فجَلَّ من لا يخطىء، ولكن غير مسموح لنا ألاَّ نميِّز بين مرفوع ومنصوب ومجرور! لكلٍّ منَّا أسلوبه الخاصّ، وهذا دليل تنوُّع وغنًى، وقد يكون أسلوب البعض أجمل من الآخرين، فهذا لا يعني أن نهتمَّ بالمعنى دون أن نهتمَّ بالمبنى!
تهتمُّ مدارسنا اليوم بتعليم اللغات الأجنبيَّة دون العربيَّة. فجيل اليوم، يستعمل الحرف الأجنبيّ ليكتب الكلمات العربيَّة عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، لأنَّهم ببساطة ما عادوا يحسنون قراءة اللغة العربيَّة بالحرف العربيّ. وإن سألتَ أحدهم: “لماذا تكتب العربيَّة بالحرف الأجنبيّ؟” فيجيبك: “لأنَّني لا أحسن كتابة الحرف العربيّ على الهاتف النقَّال. ثمَّ إنَّني قليلاً ما أستعمل الكلمات العربيَّة، فأنا أكتب بالإنكليزيَّة لأنَّها أسهل عليّ. وأخيرًا، ما الفائدة من اللغة العربيَّة، فهي إلى اندثار؟”
سمعتُ يومًا محاضرة باللغة العربيَّة امتلأت بالفصاحة والأدب، أعجبتني أحسن إعجاب. وما إن خرجتُ من قاعة المحاضرات حتَّى وجدتُ قسمًا كبيرًا من الحضور يتنمَّرون على المحاضر لأنَّهم لم يفقهوا الشيء الكثير ممَّا قاله. فعوضًا من أن يخجلوا من أنفسهم “أنزلوا المحاضر من غربالهم”، أي إنَّهم جعلوه أضحوكة ومصدرًا للتسلية فيما بينهم.
ليت مدارسنا تعود فتركِّز على تعليم اللغة العربيَّة وآدابها، وعلى حسن قراءتها وكتابتها، لما كنَّا نسمع الإعلاميِّين والسياسيِّين والصحافيِّين ورجال الدين يتكلَّمون شبه اللغة العربيَّة لما تحتوي خطاباتهم من أخطاء وتشويهات. ولكن، أما زلنا نجد حقًّا أساتذة يحسنون تعليم اللغة العربيَّة وآدابها؟