الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – أخبرني رفيق لي، وهو رجل دين، أنَّه كان مسافرًا في قطار من بلد أوروبّيّ إلى بلد مجاور. وكان في مقطورته رجل دين من مذهب آخر. ما إن رآه رفيقي حتَّى فكَّر في نفسه أنَّه سيحاججه حتَّى يقنعه بصدق دينه دون دين جليسه. وبعدما عرَّف الواحد عن نفسه للآخر، بدا التنافر منذ اللحظة الأولى بينهما، فكلُّ واحد منهما مؤمن بدينه بل متعصِّب له.
بدأا يتكلَّمان في أحاديث مختلفة إلى أن تطرَّقا إلى موضوع الدين. وبان من حديث رجل الدين أنَّه متطرِّف أكثر من صديقي إذ إنَّه طلب منه أن يترك دينه وينتسب إلى دين ذلك الرجل.
عندئذٍ احتدم الخلاف بينهما وصار كلُّ واحد يحاول إظهار صدق دينه. وفجأة دخل شخص ثالث إلى المقطورة ونظر إليهما، وكان هو الآخر من دين ثالث. فسكتا برهة ونظرا إليه باستغراب. أمّا هو فقال لهما: “أرى أنَّكما تتجادلان بأمور الأديان. وهذا جدال لا نهاية له. انظرا، كلُّ واحد منّا يملك شيئًا من الحقيقة وإلاَّ لما استمرُّ أيُّ دين منذ نشأته إلى الآن.
فالأديان تؤول إلى الله الذي نعبده جميعًا. فلمَ تتشارعان؟ عليكما أن تفكِّرا معًا بالأمور المشتركة التي تجمعكما أفضل من التباحث في الأمور التي تختلف بين دين وآخر. فما دامت غايتك من مذهبك الوصول إلى الله وغايتي من مذهبي الوصول إلى الله، فما شأنك معي أيَّ طريق أسلك إلى الهدف؟”
ساد صمت في المقطورة لحظات ليست بقليلة، ثمَّ التفت صديقي إلى جليسه وقال له: “أعرف جيِّدًا أنَّ كلَّ واحد منَّا ينتمي إلى دين يعود تأسيسه إلى أكثر من ألف سنة. فلو لم يكن الله موافقًا على ديني ودينك لما استمرَّا على الأقلِّ حتَّى الآن. كلُّ واحد منَّا يدَّعي أنَّه يملك الحقيقة. والحقيقة هي أنَّ الحقيقة هي التي تمتلكنا. فالله هو الحقيقة ونحن ملك له. وهو يعرف تمام المعرفة أنَّنا، نحن الثلاثة هنا، نسير كلٌّ بحسب دينه، نحو الهدف الواحد ألا وهو الله. نتشاجر باسم الله، ويحارب أحدنا الآخر باسم الله، ونتقاتل باسم الله. والله، في الأساس، لم يُرد أن يكون هناك أديان، بل إيمان به وأعمال مطابقة لهذا الإيمان، مردِّدًا: “يا بنيَّ أعطني قلبك”، لا مذهبك، ولا دينك، ولا لونك، ولا إلى أيِّ بلد تنتسب. فالله لا ينظر إلى الوجوه بل إلى القلوب، لا إلى انتماء الإنسان إلى هذا المذهب أو تلك الملَّة، بل إلى تعلُّق الإنسان به وعبادته دون سواه.”
عندئذٍ، ساد الوفاق بين هؤلاء الأشخاص الثلاثة وأمضوا بقيَّة الطريق، كلُّ واحد منهم يخبر الآخرين بما يتميَّز به دينه وكيف يصل من خلاله إلى الله. فاغتنى الثلاثة من خبرات الآخرين وبدلاً من المشاجرات، ودَّع أحدهم الآخر بعدما طلب صديقي من رفيقيه أن يزوراه في مكان خدمته ليتعرَّف أبناء مذهبه إلى دين الآخرَين…