الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – سألتُ يومًا تلامذتي هذا السؤال: “ممَّ تخافون؟” وطلبتُ منهم أن يذكروا شيئًا واحدًا يخافون منه، وألاَّ تتعدَّى إجابتهم السطر الواحد مع ضرورة عدم تدوين اسمهم، ليكون جوابهم صريحًا وصادقًا. فأتتني إجابات متعدِّدة ومختلفة، أنقل لكم بعضها:
أخاف من الظلمة.
أخاف كثيرًا من الموت.
أخاف من القصاصات كثيرًا.
أخاف من الآخرين ألاَّ يبادلوني المحبَّة التي أكنُّها لهم.
أخاف من السير ليلاً قرب المدافن.
أخاف أن أجرح شعور الآخرين أو أن أؤذيهم.
لو طلبتَ منّا أن ندوِّن اسمنا لما تجاسرتُ أن أكتب ممَّا أخاف، فأنا أخاف منك كثيرًا لأنَّك صارم معنا.
أخاف من أن يعرف أحد أنَّني أغشُّ أحيانًا في الامتحان.
أخاف من أن أرسب في الامتحان فأُغضب والديَّ.
كدتُ أقول إنّي لا أخاف من شيء، ولكنَّني تذكَّرتُ أنَّني أخاف من أن تموت أمّي.
أخاف على أخي الصغير لأنَّه مصاب بإعاقة ويحتاج إلى مساعدة دائمة.
أخاف أن أثير غضب الله عليَّ.
أخاف ألاَّ يكون الربُّ راضيًا عنّي.
وتطول السبحة… لممتُ أوراق التلامذة ثمَّ وزَّعتها من جديد بطريقة عشوائيَّة وطلبتُ من تلاميذي أن يقرأ كلُّ واحد الورقة التي بين يديه. وبعد كلِّ إجابة، كنتُ أطرح السؤال مجدَّدًا: من يخاف أيضًا ممَّا دُوِّن؟ فيرفع معظم التلامذة أياديهم.
أحيانًا كثيرة تكون إجابتنا: “نحن لا نخشى شيئًا”. ولكن في الحقيقة، كلُّ واحد منَّا يخاف من أمور كثيرة، ويختلف مقدار الخوف من هذا الشيء أو ذاك بين شخص وآخر. كلُّنا نخاف ومن يدَّعي أنَّه لا يخاف، هو في الحقيقة إمَّا إنسان كاذب وإمَّا قلبه مصنوع من حجر.
حياتنا مجبولة بالمشاعر، نحزن ونفرح، نبكي ونضحك، نتسلَّى كثيرًا مع الأهل والرفاق من جهة، ونكون جادِّين في العمل وفي اللقاءات الرسميَّة وفي أماكن شتَّى، من جهة أخرى. نغضب ونثور ولا نلبث أن نعود إلى هدوئنا وسكينتنا. نعتذر إذا أخطأنا ونسامح من يُخطئ بحقِّنا وأحيانًا كثيرة لا نستطيع أن نسامح بسبب كبريائنا. نحبُّ ونكره. نشمئزُّ من تصرُّفات غريبة، من روائح كريهة، من مضايقات الآخرين، ونبدي إعجابنا بكلِّ ما هو جميل. وكما نقوم بأمور كثيرة نعتبرها أعمالاً شجاعة، وكم نُحجم عن القيام بأمور أخرى بسبب الخوف من فشل، من سخرية، من كلام ناس حولنا…
ما يميِّز الإنسان عن بقيَّة المخلوقات هو تلك الأحاسيس التي يمتلكها، بل أستطيع أن أقول إنَّها تمتلكه، وأحيانًا كثيرة هي التي تتحكَّم به وبقراراته. عندما أعطف على فقير، عندما أبتسم لطفل بريء، عندما أحقد على شخص أهانني، عندما أصفح عن شخص أحبُّه… هذه كلُّها أمور نقوم بها من فيض عاطفتنا، وبحسب نظرتنا لتلك الأمور وتعلُّقنا بالأشخاص. والخوف هو شعور باطنيّ ينبع من عاطفة تتملَّكنا وتأسرنا في حالات معيَّنة.
ويبقى الخوف الأكبر، بالنسبة إليَّ، ألاَّ نكون أهلاً لمحبَّة الله لنا!