د. سليمان صويص –
الأول نيوز – مثلما توقع العديد من المراقبين، فشلت الجلسة التي عقدها مجلس النواب اللبناني أمس الأربعاء الموافق 14 حزيران (يونيو) في انتخاب رئيس للجمهورية، خلفاً لميشيل عون المنتهية ولايته، في ظل عدم التوصل إلى «مرشح توافقي» بين مختلف الأطراف الطائفية. فقد حصل المرشح جهاد أزعور على 59 صوتاً، في حين حصل المرشح سليمان فرنجية ، المدعوم من حزب الله وحلفائه على 51 صوتاً.
بحسب الدستور اللبناني، فإن المعتمد في نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية هو ثلثا عدد النواب، أي 86 نائباً من أصل 128 نائباً في مجلس النواب. ويحصل المرشح الفائز على ثلثي عدد نواب المجلس في الدورة الأولى أو على الأغلبية المطلقة، أي 65 صوتاً في الدورة الثانية، وهو ما لم يحصل عليه كلا المرشحين. ولوحظ بأن عدداً من النواب بدأوا بمغادرة الجلسة مباشرة بعد إدلائهم بأصواتهم في دورة الإقتراع الأولى، أي من دون انتظار نتيجة الفرز، في مؤشر إلى التوجّه ﻟ «تطيير» نصاب الجلسة قبل الوصول إلى دورة الإقتراع الثانية.
في الواقع، جميع هذه التفاصيل تصبح ثانوية عندما يفكر المرء بالسؤال الأكبر : لبنان ..إلى أين ؟ لأن أي رئيس قادم للجمهورية ستنتصب أمامه ، ولو بعد فترة وجيزة، واحدة من مهمتين: إما التفاهم مع حزب الله أو …التصادم معه! والأمور الأخرى تدخل في باب «الروتين». من الواضح، حسب الإحصاءات الموثوقة، أن حزب الله قادر على حشد أغلبية تصل إلى 68 صوتاً من أجل انتخاب رئيس للجمهورية يرضى عنه؛ أو تعطيل انتخاب رئيس يحظى بدعم «القوات اللبنانية» وحلفائها.
الكثير من الوطنيين والقوميين والتقدميين العرب يقفون إلى جانب حزب الله «ظالماً أو مظلوماً»، لأنه رمز وأداة للمقاومة الوطنية والقومية في وجه الكيان الصهيوني، عدو الشعب الفلسطيني وسائر الشعوب العربية. وقد أثبت بأنه أهل لثقة واسعة من خلال الدور الرئيس الذي لعبه في إلحاق الهزيمة بجيش العدوان الإسرائيلي، وتحرير جنوب لبنان في آيار (مايو) عام 2000 ، وفي مقاومة عدوان تموز (يوليو) 2006… ومنذ ذلك الوقت ، أي منذ 17 عاماً ، والعدو الصهيوني يحسب ألف حساب للقوة العسكرية المتنامية لحزب الله، ويتردد كثيراً في تكرار عدوانه، رغم تهديده اللفظي به عشرات المرات منذ 2007.
لكن حزب الله ليس «ضيفاً» على لبنان، كما كانت عليه الحال مع المقاومة الفلسطينية عندما تواجدت فوق الأراضي اللبنانية خلال عقد من الزمن (1972 ـ 1982) ـ حتى لو كان هناك اتفاق رسمي بين الحكومة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية، عُرف آنذاك بإسم «اتفاق القاهرة» الذي «شرعن» تواجد المقاومة فوق الأرض اللبنانية. حزب الله قوة سياسية، نيابية، جماهيرية لبنانية، بل وشارك في الحكومات اللبنانية، أي أنه أصبح جزءاً من البنيان السياسي اللبناني، وهو بالتالي قوة سياسية تناضل من أجل الوطن اللبناني بأكمله، أو هكذا يُفترض.
بهذه الصفة، نطرح جملة من الأسئلة : ما هو برنامج حزب الله لتطوير لبنان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ؟ ما هو تصوّره لحل المشكلات القائمة التي يُعاني منها قسم كبير جداً من الشعب اللبناني، بمن فيهم الشيعة، القاعدة الاجتماعية والسياسية لحزب الله وحركة «أمل» ؟ ما هي الحلول التي يقترحها لمكافحة الفساد المستشري، ومواجهة تحالف الزعامات والمصارف وكبار التجار ، ولتوفير الحد الأدنى من الإرادة الوطنية المستقلة؟
عظيم وجميل جداً ومقدّر عالياً النضال من أجل تحرير الأرض … ولكن ، ماذا عن تحرير الإنسان ؟ وهل يمكن الفصل بين الإثنين؟ وحتى متى ؟
لقد انتهت الطائفية المارونية السياسية إلى التهميش ؛ وانتهت الطائفية السنية السياسية إلى الضعف والتفتّت، بسبب إنكارها للمشكلات الداخلية، وإدارة الظهر للحلول المقترحة بشأنها… واليوم، يتكرّر ما حدث بالأمس ؛ عام 1975، رددت الميليشيات المعزوفة ذاتها من أن المقاومة الفلسطينية هي التي كانت وراء انفجار الصراع، وبأن الحرب ليست أهلية، وبأنه لا توجد مطالب شعبية لتحقيق العدالة والتخلص من الطائفية السياسية…
بُعيد الخروج من الأزمة، بداية تسعينيات القرن الماضي، رفض نبيه برّي ومعه المرحوم رفيق الحريري التخلص من النظام الطائفي عندما كانت الفرصة سانحة (تعديل إتفاق الطائف)، وإعادة بناء لبنان على أساس نظام ديمقراطي حقيقي… والنتيجة معروفة : إضعاف المركّب السنّي، وصعود المركّب الشيعي… اليوم، يُردّد رموز هذا المركّب بأن الولايات المتحدة هي السبب فيما آلت إليه الأمور في لبنان (وهذا صحيح، فمنذ متى أوقفت واشنطن تآمرها على لبنان أو على الأقطار العربية التي تعرقل مخططاتها في المنطقة؟)، ولكنه يغض الطرف عن مسؤولية الزعامات الطائفية والمصارف وكبار التجار.. أي أن حزب الله، المفترض أنه حزب وطني، أي يهتم بمصالح مجموع اللبنانيين، خاصة الفقراء والمهمشين، ليس له برنامج سياسي اجتماعي لبناني داخلي، وهذه ثغرة أساسية كبيرة، إذا لم يتم ردمها، فإن مخططات أمريكا وإسرائيل الرامية للقضاء على المقاومة ستمر على يد الأدوات المحلية، وليس بالضرورة أن يكون القضاء عسكرياً على يد إسرائيل.
وهذا يقودنا إلى التنبيه إلى أن «تقديس» المقاومة كهدف بحد ذاته يُلغي الهدف، ما دام تحرير الأرض منعزل عن تحرير الإنسان اللبناني من القهر والإستغلال والجوع والفقر والسيطرة الطائفية السياسية التي ثبت بالدليل القاطع بأنها تحول دون تطور لبنان والشعب اللبناني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وديمقراطياً ووطنياً.. ولم تعد تجدي تلك الحجة المهترئة التي تدّعي بأن هذه القضايا «مؤجّلة» لحين تحرير الأرض اللبنانية والفلسطينية، لأن العلاقة بين الإثنين أصبحت أكثر من واضحة….
من يقرع الجرس ؟