الخميس , فبراير 22 2024 رئيس التحرير: أسامة الرنتيسي

عن «حماس» و «حزب جبهة العمل الإسلامي»

 د. سليمان صويص –

 

الأول نيوز – من المفروض، وما نعلمُه هو أن حركة «حماس» وحزب جبهة العمل الإسلامي ينتميان، ومعهما أحزاب أخرى عديدة، إلى حركة عالمية واحدة هي «حركة الأخوان المسلمين». وهذا يعني، من جملة ما يعني، انهما يسيران، في الإطار العام، وفقاً للمعتقدات والنهج الفكري والسياسي والقيمي ذاته؛ فهذه حركة إسلامية، وذلك حزب إسلامي.

حتى ما قبل السابع من تشرين الأول الماضي، كنتُ واحداً من اولئك الذين يعتقدون بأن «إسلام» أحزاب الإخوان المسلمين هو إسلام واحد، وان هذه الأحزاب تنتهج في عملها السياسي الإستراتيجية والتكتيك ذاته، مع الأخذ في الإعتبار طبعاً ظروف كل بلد يعمل فيه هذا الفرع او ذلك من الحركة. لكن الشك بدأ يخالجني في الآونة الأخيرة حول صحة ذلك الإعتقاد. لماذا ؟ لأن العديد من الحقائق بدأت تتكشف لي ولملايين غيري حول الإستعدادات الجادة الحقيقية التي كانت تقوم بها حركة حماس للدفاع عن فلسطين، بل والتحضير لتحريرها فعلاً لا قولاً فقط. فالعملية البطولية الفذّة التي قامت بها قوات حماس في السابع من تشرين الأول الماضي لم يتم الإعداد لها قبل أشهر أو بضع سنوات، بل يذهب مراقبون إلى القول بان الإعداد لمقاتلة العدو الصهيوني بدأ منذ عام 2008؛ وبأن كل ما كانت تقوم به حماس منذ ذلك الحين في العلن هدفه التمويه، وهذا عين الصواب.

جاءت المقاومة البطولية والصمود الاسطوري للشعب الفلسطيني في غزة خلال الشهرين الماضيين من العدوان الصهيوني البربري على غزة ليؤكد من جديد بأننا أمام مقاومة من نوع جديد استخلصت الدروس الصحيحة من التجارب السابقة، وأبدعت في استنباط أساليب جديدة في التخطيط والعمل والسياسة والقتال، لم يكن العدو الصهيوني يحسب لها حساباً، بل ولم تخطر في باله ـ وهو الذي كان يتبجّح على الدوام بقوته العسكرية والإستخباراتية. وبدأت الصورة الجديدة تتضح أكثر : تفعل حماس ما تقول، وتقول ما تفعل، وليس هناك إزدواجية في الممارسة مثلما تفعل أحزاب إسلامية في أقطار أخرى. قد يقول البعض بأن عدوان إسرائيل الحالي ليس الأول على غزة، وهذا صحيح ؛ لكن الحقائق التي كشفت عنها عملية «طوفان الأقصى» لم تكن بهذا الوضوح من قبل.

مثل أي عربي يفتخر بأي معركة تنزل الخسائر بالعدو وتمرغ أنفه في التراب وتكسر عنجهيته، أتابع ما يصدر عن قادة حماس من تصريحات. وقد لفت انتباهي ـ وربما انتباه آخرين ـ بأن هذه التصريحات كانت تنطق بلغة حريصة على الوحدة الوطنية وتُشيد بمساهمة جميع فصائل المقاومة التي تقاتل العدو في غزة. وبالرغم من الدور البارز لكتائب القسام / الجناح العسكري لحماس، إلّا أنني لم ألحظ ولا مرة واحدة بأنه الحركة تحاول أن تُميّز نفسها أو تستعلي على الآخرين أو تظهر نفسها بأنها «القائدة» قياساً بحركة «الجهاد الإسلامي»أو فصائل المقاومة الأخرى. وهذا، لعمري، هو عين الحكمة والنضج السياسي والتعبير الجاد عن الإحساس الوطني العميق بأهمية توحيد الصفوف الوطنية وتعزيز اللحمة بين فصائلها. وبدأت الصورة الجديدة تتضح أكثر : تفعل حماس ما تقول، وتقول ما تفعل، وليس هناك إزدواجية في الممارسة مثلما تفعل أحزاب إسلامية في أقطار أخرى.

أين هذا التصرف الإسلامي النبيل الوطني، بل الثوري مقارنة بما فعله أعضاء من حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن خلال مظاهرات الدعم والمساندة للمقاومة الباسلة في غزة ؟ أراد الأخوة «إحتكار» هذا الدعم ـ على تواضعه ـ واصطدموا بزملائهم في الدرب الوطني من الأحزاب اليسارية والقومية، وعملوا على استثنائهم من المظاهرات التي جرت يوم الجمعة . هل ينسجم هذا التصرّف مع المنطلقات الإسلامية التي تعمل بموجبها حماس بينما قادتها يدعون إلى وحدة الصفوف وتجنّب التناقضات الثانوية ؟ حماس ـ وبالرغم من خلافاتها وتناقضاتها مع العديد من الأنظمة والقوى العربية ـ إلّا انها لا تفتح «جبهات» معها ولا تثير الخلافات، لأنها تؤمن بأن من يواجه عدوا همجياً عنصرياً مدججاً بالسلاح كالعدو الصهيوني عليه ان يسعى بكل قوته من أجل تجميع القوى وتوحيد الصفوف، وليس تقسيمها كما يفعل البعض خارج فلسطين.

من نافلة القول الزعم بأن الدفاع عن فلسطين وقضيتها هو حكر على طرف دون آخر : فلسطين قضية عربية اسلامية اصبحت أبعادها العالمية والإنسانية واضحة للجميع. ولن يفلح أحد في استغلال هذه القضية لأغراض سياسية محلية. فلسطين أكبر من الجميع ويجب أن تطغى على أية قضية أخرى في هذه المرحلة، لأن ما يجري سوف يؤثر لعقود قادمة في مصير المنطقة برمتها.

إن العمل الذي قام به اعضاء من حزب جبهة العمل الإسلامي في مظاهرات التضامن الأخيرة مع غزة المقاومة مُدان ومرفوض من طرف أوسع الجماهير والقوى والأوساط الوطنية، وفقاً لجميع المعايير الوطنية. إن عدم التخلي عن هذا الأسلوب في التعامل مع القوى الوطنية الاخرى سوف يقود إلى نتائج وخيمة على مجمل العمل الوطني.

اقول ذلك وأكتبه في الوقت الذي أعتبر نفسي صديقاً بل حليفاً لحزب جبهة العمل الإسلامي، لأنني بالرغم من إدانتي هذه لا أنسى أبداً الدور المهم الذي يضطلع به الأخوة في حزب جبهة العمل الغسلامي في النضال ضد التطبيع مع العدو الصهيوني من أجل إسقاط معاهدة وادي عربة واتفاقية الغاز مع العدو وجميع الإتفاقيات الأخرى. ولا أنسى أيضاً تعاوننا معاً في مرحلة سابقة ـ من خلال الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان التي كنت رئيساً لها ـ في الدفاع عن الحريات العامة في البلاد، وبخاصة عن المعتقلين السياسيين.

أجل، في ضوء ما ذكرتُ آنفاً، يُخالجني اليوم الشك في أن «إسلام» حماس هو نفسه «إسلام» حزب جبهة العمل الإسلامي، بالمعنى السياسي للكلمة؛ وحاشى أن اتعرّض من قريب أو من بعيد للإسلام كدين أحترمه مثلما أحترم الأديان كافة.

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

رفع سقف التوقعات

هالة الداوود – الأول نيوز – قصدتني صبية يافعة طموحة نشيطة، ترى الدنيا بعين الراضية …