الجمعة , يونيو 21 2024 رئيس التحرير: أسامة الرنتيسي

شوارع رفح خالية إلا من الموت !

د. تيسر عبد – الأول نيوز –

لا زلت في رفح لم أخرج منها. الباقون فيها الذين لم ينزحوا هم الأقل. الشاحنات الممتلئة بأثاث وفرشات وبراميل مياه وأطفال يعتلونها لا تزال تتجه بأعداد كبيرة إلى الغرب والشمال هربا من القصف والتهديد ومن الذاكرة المشبعة بمشاهد الإعدامات والمقابر الجماعية.

الشوارع أصبحت خالية. فكرت أن أمشي فيها هذا اليوم حيث كنت لا تستطيع السير فيها بسهولة من الازدحام.
ميدان العودة الذي كان فيه مئات البائعين أصبح يحن لأي زائر أو عابر فيه. أخذوا بضاعتهم وخوفهم واتجهوا نحو الغرب.

وجدت بالكاد ثلاثة شباب يتحلقون حول بعضهم أمام المسجد. ذهبت إليهم لأعرف السبب. قال لي أحدهم أنهم يشترون سجائر كاريلا. ثمن السيجارة الواحدة 80 شيكل (23 دولار) وأبدى لي رضاه عن السعر لأنها تباع في مكان آخر بسعر أعلى. تركتهم وسرت إلى مدارس الايواء التي تتوسط الشارع. كانت خاوية تماما بعد أن كنت لا تستطيع أن تدخلها من شدة الاكتظاظ طوال السبعة أشهر الماضية. أخذوا معهم جميع الأثاث. لم يبق فيها غير الجدران. وأكوام ضخمة من القمامة. فاجأتني سيدة وحيدة تجلس على كرسي في الشارع وتضع أمامها طاولة مدرسية عليها بقايا كابونة: كيس تمر. وعلب لحمة وتونة وكيس شاي. سألتها: لماذا لم تهربي مثلهم. هل تعرفين أنك البائعة الوحيدة في هذا الشارع؟.
ضحكت وقالت لي: لم أعد أخاف من الموت. أنا لست من رفح. أنا من الشمال. خيمتي لا تزال عند الطيارة في الحي السعودي. لم أفكها إلى الآن. نزحت إلى أماكن كثيرة. ولم أقرر أن أخرج من رفح.
وأقول لك بصراحة: أنا لا أملك ثمن الخروج من رفح. أحتاج على الأقل ألفين شيكل. ولا أعرف أين سأذهب.
سألتها عن بقية أهلها: غابت الضحكة عن وجهها. وقالت بصوت منخفض حزين: استشه.دوا. زوجي. وابنتي في قصف بيتنا. لم يبق معي إلا ابنا واحدا هو في الخيمة الآن.
قلت لها: ربنا معك. أنت بطلة وصابرة ومجا.هدة. ولن يضيعك الله. اشتريت كيس التمر منها ومشيت..

وعلى بعد أمتار منها. أوقفني شاب. قال لي بعد رحب بي: والله يا دكتور أنا من متابعينك على الفيس. كويس إني شفتك. وأريد أن أعرف رأيك. هل أنزح إلى المواصي. أم أبقى في رفح. والله نحن في حيرة. الجيش وصل إلى ثكنة سعد صايل وفي حي السلام. قرأت على التيليجرام أن جفعاتي تنتظر لحظة الهجوم؟.
قلت له وستسمع كثيرا في الأيام القادمة أنه ينتظر الهجوم. في هذه الحرب الكبيرة. توجد حروب صغيرة كثيرة: حرب المفاوضات. وحرب الاقتصاد. وحرب الأخلاق. وحرب العسكر. وحرب الوقت. وحرب الأعصاب. من يستطيع أن يوازن بينها. يستطيع أن يكسب بعض الوقت قبل أن ينزح ويلقي بنفسه في الخيام الحارقة في المواصي: حيث أكوام النازحين. بلا ماء. بلا طعام. بلا نظافة. بلا شروط صحية. وبكثير من الموت البطيء. يأكلهم الذباب الجائع. جمعهم فقط الخوف والهروب من الموت.

ودعته ومشيت. وتذكرت حتى أنا هنا في رفح التي أصبحت خاوية. وأبواب محلاتها مغلقة. في حاجة للخبز والماء والانترنت والطعام والكهرباء والأمان. ولا أعرف كيف يمكن أن أحصل عليها في الأيام القادمة إذا ما استمر الحصار وهجوم الاحت. لال وإغلاق المعابر.
وجدت نفسي أردد كلمات محمود درويش
ظل الغريب على الغريب عباءة.
كان كل من في رفح قبل أيام فقط غرباء. غرباء عن أماكن سكنهم وبيوتهم: نازحون ومشردون ومنكوبون وبائسون. لكنهم كانوا يصنعون لبعضهم الطعام والبيتزا. يوفرون لبعضهم الخبز والسلع والشعور بالأمان والحب. كانوا متشابهين في الوجوه والألم والذكريات القريبة. غطاء لبعضهم. حتى أن منهم من كان يبيع الورد والعطر.

أما الآن فلا ورد ولا ظل ولا عطر. الوحشة والوحدة تقتل شوارع رفح التي تقصفها قذائف الاحتلال في كل وقت هنا. والخيام الموحشة والمظلمة والمتراصة تخنق من تكدسوا فيها هناك. متى يعود الناس لبيوتهم وأحبائهم وشوارعهم وابتساماتهم وطمأنينتهم وأمانهم؟ متى ينتهي الاحتلال وتنتهي الخيام؟ متى تعود الابتسامة الجميلة لرفح وخان يونس ودير البلح والنصيرات والبريج والمغازي وغزة وجباليا وبيت لاهيا وبيت حانون؟ متى تنفض عن نفسها الغبار والجراح والآلام وهذا الظلام. وتغتسل بماء البحر كأجمل المدن والعرائس وأبهاها؟.

ملاحظة:
بصعوبة جدا استطعت أن أنشر هذه الكلمات. ولا أظن أنني سأستطيع النشر في وقت قريب.
دعواتكم لنا.

عن Alaa

شاهد أيضاً

يستعيرون مؤلفاتك وارشيفك التاريخي يدعون انها لهم

الأول نيوز – شفيق عبيدات كنت اتردد في الكتابة عن هذا الموضوع كونه يخصني شخصيا …