الأول نيوز – يواصل الاحتلال الصهيوني منع دخول الأدوية والمستهلكات الطبية والتطعيمات إلى قطاع غزة منذ عدوانه في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ما نتج عن ذلك ظهور العديد من الأمراض منها فيروس شلل الأطفال الذي ظهر في القطاع بعد غياب دام لأكثر من 25 عامًا.
وبفعل استمرار عدوان الاحتلال وخنق النازحين في مناطق ضيقة، أعلنت وزارة الصحة بغزة في منتصف الشهر الجاري، عن تسجيل أول حالة مصابة بفيروس شلل الأطفال لطفل يبلغ من العمر 10 أشهر في مدينة دير البلح وسط القطاع، بعد إجراء فحوصات من عينة من مياه الصرف الصحي أظهرت وجود ذلك الفيروس، وسط ظروف صحية قاهرة ومأساوية للغاية.
المواطن يوسف صالح وهو نازح إلى جنوب القطاع، يشرح أسباب تخوفه الكبير من إصابة أطفاله بهذا الفيروس، ويعلق بالقول: إنّ “وجود أكثر من مليون مواطن في منطقة محصورة ومكتظة بالسكان ومفتقدة لأدنى معايير الحياة الآدمية يجعل وتيرة انتشار الأمراض سريعة جدًا، خصوصًا في ظل عيش الأهالي وسط أكوام القمامة ومياه الصرف الصحي ونقص المياه الصالحة للشرب”.
ويضيف صالح، “خلال الحرب أُصبت أنا وأبنائي بالأمراض المعدية وخصوصًا الجلدية، حينها ظهرت على أجسادنا بقعًا صفراء وحمراء من شدة الإصابة بتلك الأمراض”، مبيناً أنّه لم يكن يتوقع أبدًا عودة فيروس شلل الأطفال للقطاع بعد غياب دام أكثر من عقدين ونصف، ما يعني ظهور مشكلة صحية جديدة للسكان إلى جانب معاناتهم الشديدة من ويلات الحرب المتعددة والمستمرة.
ويشير صالح إلى أنّ تكرار الاحتلال لأوامر الإخلاء وحصر المواطنين في مناطق معينة، واستهدافه المتواصل للمستشفيات والمراكز الصحية وإخراجها عن الخدمة وتعمده منع دخول الأدوية ومستلزمات النظافة الشخصية، يؤدي إلى زيادة تفشي الأمراض والأوبئة بين السكان، وهذا بدوره يجعل المواطنين قلقين من إصابة أبنائهم بفيروس شلل الأطفال، فهم يواجهون خطرين أولهما القنابل والصواريخ التي يطلقها الاحتلال في كل حين، وثانيهما انتشار الأمراض في ظل انهيار المنظومة الصحية في القطاع ما يعرض المواطنين للموت جراءها.
بيئة خصبة لانتشار الأوبئة
بدورها، حذرت وزارة الصحة بغزة من وجود الفيروس في مياه الصرف الصحي التي تتجمع وتجري بين خيام النازحين، وفي أماكن وجود السكان نتيجة تدمير البنية التحتية يمثل كارثة صحية جديدة، مشيرةً إلى أنّ “الزحام الشديد مع شح المياه وتلوثها بمياه الصرف الصحي وتراكم أطنان القمامة ومنع الاحتلال لإدخال مواد النظافة بما يشكله ذلك من بيئة مناسبة لانتشار الأوبئة المختلفة”.
وقالت الوزارة، في بيانها، إنّ “رصد الفيروس المسبب لشلل الأطفال يعرض آلاف السكان لخطر الإصابة بالمرض”، مضيفةً أنّ “نقص احتياجات النظافة الأساسية، وعدم توفر خدمات الصرف الصحي، وتراكم النفايات في الشوارع وحول أماكن إيواء النازحين، وعدم توفر مياه الشرب الآمنة، قد خلقت بيئة مواتية لتفشي وانتقال العديد من الأوبئة ومنها الأمراض المنقولة بالمياه مثل فيروس شلل الأطفال المشتق من اللقاح”.
ووجهت الوزارة نداءً عاجلاً للمنظمات والهيئات الدولية بضرورة العمل الفوري لإعادة بناء أنظمة مياه الشرب الآمنة والصرف الصحي والتخلص من النفايات الطبية والصلبة، والعمل على إدخال الوقود لضخ المياه العذبة النقية، والسماح غير المشروط لدخول الإمدادات الطبية والأدوية والمواد الخاصة التي تستعمل للنظافة الشخصية، مطالبةً بوقف العدوان الإسرائيلي فورًا وإنهاء تكدس السكان في أماكن النزوح.
وقد أعلنت وزارة الصحة بغزة، مساء أمس الأحد، عن وصول مليون و260 ألف جرعة تطعيم ضد فيروس شلل الأطفال إلى القطاع، مبينةً أنّه “جاري التجهيز لإطلاق الحملة بالتنسيق مع الشركاء”.
الصحة العالمية تطالب بـ”هدنة إنسانية” لتنفيذ حملة تطعميات
من جهتها، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن تدمير النظام الصحي في غزة، وانعدام الأمن، وإعاقة الوصول، والنزوح المستمر للسكان، ونقص الإمدادات الطبية، وسوء نوعية المياه، وضعف الصرف الصحي، تؤدي جميعها إلى انخفاض معدلات التطعيم الروتيني وزيادة خطر الإصابة بالأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، بما في ذلك شلل الأطفال.
وأعرب مدير عام المنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس، عن قلقه البالغ إزاء تأكيد إصابة طفل يبلغ 10 أشهر بمرض شلل الأطفال بمدينة دير البلح وسط القطاع، لافتًا إلى أنّ المنظمة وشركاءها بدؤوا على الفور العمل على جمع ونقل عينات للطفل لفحصها في مختبر معتمد لدى المنظمة في المنطقة.
وأشار غيبريسوس، في بيانه، إلى أنّ النتائج أكدت أن الفيروس مرتبط بـ فيروس شلل الأطفال من النوع الثاني، الذي تم اكتشافه في العينات البيئية التي تم جمعها من مياه الصرف الصحي بغزة في يونيو الماضي، مبينًا أنّ حالة الطفل المصاب بشلل أسفل ساقه اليسرى مستقرة، وأنه نظراً لارتفاع خطر الإصابة بالمرض في غزة ومحيطها، فقد قررت وزارة الصحة الفلسطينية ومنظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة واليونيسف تنفيذ حملة تطعيم على مرحلتين لوقف انتقال الفيروس.
وكشف غيبريسوس، أنّ “آلاف الأشخاص لا يزالون يهجّرون قسراً في منطقتي خان يونس ودير البلح بسبب أوامر الإخلاء المتكررة التي يصدرها الاحتلال، وبالتالي هناك خطر الإصابة بشلل الأطفال”.
وأكّد مدير عام الصحة العالمية، أنّ “هذا الوضع يزيد من الصعوبات الجسدية والنفسية التي يواجهها الأطفال بقطاع غزة”، مشيرًا إلى أنّه “لا يوجد مكان آمن في غزة، ولم يعد أمام الناس أي خيارات تقريباً بعد نزوحهم بشكل متكرر للعثور على مأوى ورعاية صحية وغيرها من الخدمات في بيئة مزدحمة ومليئة بالتحديات بالفعل”.
الأمم المتحدة: ضرورة وقف القتال لإجراء حملات التطعيم للأطفال
وفي الإطار، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إنّ “منع واحتواء انتشار شلل الأطفال في غزة سيتطلب جهوداً ضخمة ومنسقة وعاجلة”، مناشدًا جميع الأطراف لتقديم ضمانات ملموسة على الفور لتنفيذ “هدنات إنسانية” من أجل إجراء حملات التطعيم ضد شلل الأطفال في غزة”.
وفي وقتٍ سابقٍ، طالب غوتيريش بهدنة لسبعة أيام في غزة لتلقيح 640 ألف طفل ضد شلل الأطفال.
وتجدّر الإشارة إلى أنّ فيروس شلل الأطفال ينتشر في أغلب الأحيان عن طريق مياه الصرف الصحي والمياه الملوثة، وهو شديد العدوى، ويمكن أن يسبب تشوّهات وشللاً دائماً، وقد يصبح مميتاً، وهو يصيب بشكل رئيسي الأطفال دون سن الخامسة.
ويشن جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر العام الماضي، عدوانًا همجيًا على قطاع غزة، مما خلف أكثر من 40 ألف شهيد، وأكثر من 90 ألف إصابة، وما يقارب 10 آلاف مفقود، وسط دمار شامل للبنية التحتية والمباني السكنية والحيوية في القطاع.(الهدف – أحمد زقوت)