الأول نيوز – موسى برهومة
برحيل الباحث العراقي فاضل الربيعي (73 عاماً)، تطوى مرحلة امتدت نحو ربع قرن من السجال المتوتر في جغرافية الأديان، بعد أن قرر الربيعي مواجهة رتل هائل من “الحقائق” التي استمرت قروناً عديدة، وراح يفككها، محدثاً زلازل ستبقى تردداتها لأجيال وحقب مقبلة.
الربيعي اقترب من نار التوراة، الكتاب المقدس عند اليهود، وراح يبحث عن “الحقائق التوراتية” من النص نفسه، بعدما أتقن العبرية، ومضى يسائل “اليقينيات”، مؤكداً أن “جغرافية التوراة” لا تشير إلى فلسطين، وإنما إلى اليمن، وأن القدس ليست أورشاليم، وأن حائط المبكى لا وجود له، لأنه لا وجود للبكاء في الثقافة اليهودية، وأن بني إسرائيل قبيلة وليست شعباً، وأن اليهودية والإسرائيلية لا يتماثلان، فالثانية جزء بشري والأولى عقيدة دينية.
القارئ لكتب الربيعي، الذي رحل في هولندا، حيث كان يقيم، بعد معاناة مع المرض، وشاءت عائلته أن يدفن في وادي السلام بالنجف الأشرف في العراق، يلاحظ أن الباحث يتمترس خلف ترسانة من “الأدلة والشهود واللقى والآثاريات” التي تؤكد أن التوراة نشأت في اليمن، مخالفاً ما توصل إليه المؤرخ اللبناني كمال الصليبي الذي كشفت أبحاثه، في تاريخ التوراة وجغرافيتها، أن التوراة جاءت من جزيرة العرب، وتحديداً من منطقة عسير، وتوفرت له هذه “الحقائق” من خلال الشواهد النقشية والجغرافية اللغوية والمطابقات المعتمدة على أسماء المناطق الواردة في التوراة، وتلك الموجودة في الواقع، ما أوصل الصليبي إلى خلاصات أحدثت دوياً هائلاً في العالم، ونُظر إليها على أنها “تشكك في شرعية إسرائيل”.
ومن ثوب الصليبي خرج الربيعي، ومعه عدد من الباحثين العرب، من بينهم فرج الله صالح ديب، صاحب كتاب: “اليمن وأنبياء التوراة”، وزياد يوسف منى وكتابه “جغرافية التوراة: مصر وبنو إسرائيل في عسير”، وأحمد عيد، وكتابه “جغرافية التوراة في جزيرة الفراعنة”.
ويحرص فاضل الربيعي في كتاباته ولقاءاته التلفزيونية العديدة، التي جعلته نجماً في الفضائيات العربية والمنتديات، على الجهود التأسيسية العميقة للصليبي، لكنه يتبرأ من نتائجه التي قادت إلى أن التوراة جاءت من جزيرة العرب، ويصر على أن مصدر التوراة ومسرحها أرض اليمن، داعماً ذلك بالتشابهات في اللغة، وعازياً أي تعارضات إلى أخطاء في الترجمة، وإلى ليْ أعناق الحقائق.
ما يُقلق في جهود الربيعي أنه قاطعٌ في أحكامه، يستخدم لغة غير حجاجية قائمة على الإفحام، فضلاً عن تكراره في كتاباته ولقاءاته بأنه “متخصص” في اللغة العبرية، وبأنه أقام في عدن، وزار اليمن أكثر من 10 مرات، وأن لديه “آلاف” الأدلة التي تدعم أطروحته. وبلا ريب أن مثل هذه اليقينية تشعر المتلقي بالخشية، لأننا نحفر في قضية تنتسب إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية، ما يعني أن النتائج تتوخى أن تكون نسبية وذات مصداقية راهنية، بخلاف الحقول العلمية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء، والتي لم تسلم هي أيضاً من الطعن فيها. اللغة القطعية تتحول مع الوقت إلى أيديولوجيا.
إعادة قراءة الأديان الإبراهيمية، والبحث عن التاريخي في الأسطوري، حقل مفتوح أمام الباحثين، شريطة الامتثال لقواعد المنهج التحليلي، والاستفادة من المناهج اللغوية والنقدية ومنهج التأويلي. وإذا كان العمل متصلاً بأحفوريات تاريخية تمتد آلاف السنين، فإن المهمة تصبح صعبة، ولا يمكن لباحث مفرد، من الذين ذكرناهم، ومن بينهم الصليبي نفسه، أن يعمل بلا جهد مؤسسي ينخرط فيه باحثون مختصون، وتشرف عليه جهة علمية، وتنفق في سبيله الأموال الطائلة.
على كل حال، لم يكن انشغال الربيعي بالأساطير، وبحثه عن جغرافية التوراة والأديان، بمعزل عن طبيعته الشخصية التواقة إلى الاقتحام، فهو دائم العمل، دائم البناء، ودائم الهدم. وكان نصيب أكثر محاولاته في هذا الخصوص النجاح، ومرد ذلك ربما إلى النشأة التأسيسية الصارمة للربيعي في الحزب الشيوعي العراقي، وعمله اللصيق مع الثورة الفلسطينية، إذ كان عضواً في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وعمل في مجلة “الحرية” وكتب دراسات عن الأدب الفلسطيني، وبخاصة أعمال غسان كنفاني.
وبفضل نزعته النقدية، انفصل الربيعي عن الحزب الشيوعي العراقي، بل إنه أرخ ذلك الانفصال برواية “عشاء المأتم/ ليلة الشاطئ الجميل اللعينة” التي تركت أثراً طيباً في الأوساط الأدبية العربية.
وتفاقمت النزعة النقدية الانفصالية لدى الربيعي، ورأت في تاريخ الأديان حقل انفجارها الكبير الذي تجسد في الكتب والدراسات التي ضمتها كتب عن “فلسطين المتخيلة” و”إسرائيل المتخيلة”، ومؤلفات عديدة أخرى، جهر فيها بما ظنه حقائق “قاطعة”، بل إنه استعاد “نظرية المؤامرة” وقال إن التاريخ المروي (المتداول) حول التوراة والموطن الأول لليهودية، مفبرك إذ اعتمد المستشرقون على نسخة من التوراة زورتها بريطانيا والولايات المتحدة، لأسباب استعمارية.
توصل الربيعي، فيما توصل إليه، إلى أن اليهود لم يعيشوا في فلسطين، بل جاءوا فلسطين بعد السبي البابلي في نجران، وأن التوراة نزلت في اليمن، وأن هيكل سليمان كان موجوداً على جبل الهيكل بين تعز وعدن، وخرّبه الرومان. كما أن اليهود لم يعيشوا في مصر، وأنه لا وجود لملك اسمه فرعون، وأن التيه اليهودي حدث في تعز باليمن، وليس في سيناء المصرية. ومن خلاصاته أن النبي إبراهيم (أبا الأنبياء) لم يغادر اليمن مطلقاً، كما أن أسماء الأماكن في اليمن حُرّفت لتقع في فلسطين، ما يبدد الاعتقاد بأن فلسطين أرض الميعاد.
فاضل الربيعي أمضى حياته مقاتلاً من أجل الأفكار. وجذبه “سحر الانحياز” إلى الولاء لما يظنه دائماً حقيقة (بما في ذلك تأييد النظام السوري السابق). ولما كان هذا السحر صنو العمل السياسي والأدبي المبكر، ولما كان الإبداع الثقافي فقيراً من دون الزخرفات السحرية التي تنهل من نهر الخيال الجاري، فإن الأمر ذاته لا يصلح للدراسات الأركيولوجية. فما بين الأدب والصحافة والدراسات النقدية التي تعتمد على الذائقة وعافيتها، وبين الدراسات التاريخية التي تعتمد على المنهجية العلمية المنقّاة من الهوى، بونٌ شاسع.
وحتى لا يُترك للتاريخ اليد الطولى للحكم على ما أنجزه الربيعي في حقل جغرافيا الأديان، لأن التاريخ دائماً ما يتأخر ويرضخ لاشتراطات السياسة وحساباتها وتلوناتها، فلا بد أن تواصل ميراث الربيعي مؤسسة بحثية رصينة هدفها إنصاف الحقائق العلمية، وليس المغالبة الأيديولوجية، فقد أفنت البشرية أعمارها، وما انفكت، في الصراع على التاريخ.