تهويد الريف الفلسطيني: ما بعد العنف

الأول نيوز – ثائر ابو عياش –

 

منذ السابع من أكتوبر 2023، لم يقتصر التصعيد الإسرائيلي على جبهات غزة والشمال وغيرها، بل اتخذ شكلاً آخر في الضفة الغربية: تصعيد غير معلن لكن عنيف، قاده المستوطنون تحت غطاء جيش الاحتلال، واستهدف بشكل أساسي الريف الفلسطيني.

ما يحدث هناك يتجاوز مجرد اعتداءات متفرقة؛ إنه إعادة تشكيل عنيفة للمكان، تقود إلى “تهويد صامت”عبر أدوات التخويف والاقتلاع، مترافقة مع تغييب مقصود للسلطة الفلسطينية وصمت دولي مطبق.

في هذا المقال، نُفكّك ظاهرة تهويد الريف الفلسطيني بعد 7 أكتوبر، ونسقط عليها نظريات اجتماعية لفهم البُنى العميقة وراء هذا المشروع، باعتبار أن العنف ليس فقط وسيلة تدمير، بل أداة لإنتاج واقع جديد.

أولًا: لماذا الريف؟ البعد الاستراتيجي للهامش الجغرافي

الريف الفلسطيني – بخلاف المدن الكبرى – يشكّل عمقًا ديموغرافيًا وزراعيًا وجغرافيًا للمشروع الوطني الفلسطيني. منذ بداية الاستيطان، تعاملت “إسرائيل” مع هذه المناطق كمجال حيوي للتوسع، لأسباب أبرزها:

ضعف البنية الأمنية والرسمية الفلسطينية.

الطبيعة المفتوحة التي تسهّل التوغل الاستيطاني.

قربها من الطرق الالتفافية والمستوطنات الكبرى.

ما بعد “طوفان الأقصى”، تحوّل الريف إلى ساحة رئيسية لفرض واقع بالقوة، خاصة في مناطق مثل جنوب نابلس، شمال رام الله، وجنوب الخليل، حيث ازدادت الاعتداءات المدعومة علنًا من وزراء اليمين الإسرائيلي.

ثانيًا: من العنف إلى الإزاحة – أدوات “التهويد غير الرسمي”

على عكس السياسات الاستيطانية التقليدية المبنية على قوانين ومراسيم، فإن المشروع الجديد يقوم على عنف فردي – جمعي تنفذه عصابات المستوطنين. ويتجلّى ذلك عبر:

الهجوم اليومي على المزارعين والرعاة: ضرب، طرد، تكسير أدوات الإنتاج، وإضرام النار بالمحاصيل.

منع الوصول إلى الأراضي: فرض أمر واقع عبر التهديد بالقتل أو الوجود المسلّح الدائم.

إقامة بؤر استيطانية جديدة: غالبًا تُبنى بعد طرد سكان فلسطينيين من منطقة معينة.

هنا نرى أن العنف ليس فعلًا استثنائيًا، بل سياسة مُمنهجة لإنتاج التغيير الديموغرافي والجغرافي.

ثالثًا: التهجير القسري بـ”التنقيط”: كيف يتم إفراغ القرى دون جرافات؟

الاستراتيجية لا تعتمد على “النكبة المباشرة” كما في 1948، بل على “النزيف البطيء: عائلات ترحل واحدة تلو الأخرى، تحت ضغط يومي، دون إعلان رسمي. وبهذا:

لا يُسجل التهجير كجريمة قانونية واضحة.

يُترك المجال مفتوحًا أمام توسيع المستوطنات بطريقة “نظيفة” من الناحية الشكلية.

يتم تحويل الأرض تدريجيًا إلى مجال إسرائيلي من حيث السيطرة الفعلية.

هذه السياسة توازي ما يُعرف في علم الاجتماع السياسي بـ “العنف البنيوي “Structural Violence حيث لا يُمارس العنف عبر أدوات الإبادة المباشرة فقط، بل عبر تفكيك شروط الحياة الآمنة والكريمة.

رابعًا: إسقاط نظريات اجتماعية لفهم الظاهرة:

1. نظرية الاستعمار الاستيطاني (Patrick Wolfe)

يقول وولف إن الاستعمار الاستيطاني لا يسعى فقط إلى استغلال السكان الأصليين بل إلى إزاحتهم بالكامل، ويُمارس هذا الإزاحة عبر بنى دائمة.
في الضفة، نرى هذا النموذج واضحًا: الهدف ليس التعايش، بل الإقصاء الكامل من الريف.

2. نظرية الفضاء المنتج (Lefebvre)

هُنري لوفيفر يرى أن السلطة تُعيد إنتاج السيطرة عبر تشكيل الفضاء. في الضفة، يتم إنتاج فضاء جديد عبر العنف:

تمزيق الجغرافيا.

تفكيك الرابط بين الإنسان وأرضه.

“إعادة ترميز” الأرض كـ”أرض بلا أصحاب”.

3.. نظرية “الاستبعاد الاجتماعي” (Pierre Bourdieu)

يُنتج العنف هنا حالة من الاستبعاد الطبقي والوطني، حيث لا يكون الفلسطيني فقط مهددًا بالحياة، بل محرومًا من أدوات العيش نفسها: الأرض، الأمن، الاقتصاد.

خامسًا: ما بعد العنف – نحو تهويد قانوني رسمي لاحق؟

العنف القائم اليوم ليس نهاية المشروع، بل مرحلته التمهيدية. بمجرد أن “تُفرغ الأرض” بفعل الرعب، تبدأ المرحلة الثانية:

تشريع البؤر الاستيطانية كـ”أحياء جديدة”.

بناء بنية تحتية إسرائيلية (كهرباء، ماء، طرق).

تقنين السيطرة تحت قوانين “أراضي الدولة” أو “أراضي متروكة”.

وهذا يعني أن ما نشهده ليس مجرد “شغب مستوطنين”، بل هندسة استراتيجية تتقدّم على خطّين: غير رسمي (بالعنف) ورسمي (بالتقنين).

خاتمة

ما يجري في ريف الضفة بعد 7 أكتوبر هو تهويد من نوع جديد: بلا جرافات ولا أوامر هدم، بل عبر عنف أهلي مسلّح ترعاه الدولة وتغذّيه أيديولوجيا دينية – استيطانية متطرفة. وبهذا المعنى، فإن كل قرية صغيرة تقاوم البقاء، وكل راعٍ يصرّ على دخول أرضه، ليس مجرد فاعل فردي، بل حاجز في وجه مشروع تفكيك شعب من أرضه. (الهدف)

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

طِقْسُ الشَّنْفَرَى.. كيف حوّل منذر رياحنة أبطال الرمال إلى فيلم من خمس مراحل ألم

الأول نيوز – لا تُبنى خماسية الشنفرى في مسلسل أبطال الرمال بوصفها سردًا لحياة شاعر …