قطاع الانشاءات كمحرك للتحديث الاقتصادي … الدور المفقود للنقابات المهنية

الأول نيوز – شاكر خليف

في خضم التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم، نسعى في الأردن بخطى حثيثة نحو تحقيق رؤية التحديث الاقتصادي، التي تمثل خارطة طريق طموحة لبناء اقتصاد وطني قوي ومستدام ، و تعتمد هذه الرؤية في جوهرها على تفعيل الشراكة الحقيقية بين مختلف القطاعات وتكامل الأدوار بين المؤسسات الحكومية والخاصة بالاضافة الى مؤسسات المجتمع المدني وذلك لضمان تحقيق الأهداف المنشودة ، و في هذاالسياق يبرز قطاع البناء كأحد أهم المحركات الاقتصادية نظراً لتشابكه مع عشرات القطاعات الأخرى وقدرته على خلق فرص العمل وتحفيز النمو ، إلا أن اللافت للنظر في هذا المشهد هو الغياب الملحوظ لنقابة المهندسين الأردنيين عن جلسات التحديث الاقتصادي، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى إدراك صانعي القرار للدور الاستراتيجي الذي يمكن أن تلعبه هذه المؤسسة العريقة في رسم ملامح المستقبل الاقتصادي للمملكة ، فهذا الغياب هو مؤشر على فجوة في فهم طبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به النقابات المهنية كشريك استراتيجي يمتلك من الخبرات والكفاءات ما يؤهله للمساهمة بفعالية في صياغة السياسات وتنفيذها على أرض الواقع .

كل الأرقام والإحصائيات تشير إلى أن قطاع البناء يعد أحد أهم القطاعات الاقتصادية في الأردن، حيث بلغت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي حوالي 3% في عام 2024، وهو ما يمثل رقماً كبيراً في اقتصاد بحجم الاقتصاد الأردني و وفقاً للبيانات الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة، فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي لقطاع البناء 261.9 مليون دينار أردني في الربع الأخير من عام 2024، ورغم انخفاضه إلى 182.2 مليون دينار في الربع الأول من عام 2025، إلا أن التوقعات تشير إلى تعافيه ليصل إلى 286 مليون دينار في الربع القادم .

إن أهمية قطاع البناء لا تقتصر على مساهمته المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي ولكنها تمتد لتشمل تأثيره الواسع على القطاعات الأخرى ، فهو يرتبط بعلاقات تشابكية مع قطاعات حيوية مثل النقل، الطاقة، السياحة، الإسكان والصناعات التحويلية ، فكل مشروع إنشائي جديد يعني زيادة في الطلب على مواد البناء، وخدمات النقل، والطاقة، وغيرها من المدخلات مما يخلق حلقة من النمو الاقتصادي المتكامل و علاوة على ذلك فإن قطاع البناء يلعب دوراً محورياً في توفير فرص العمل، حيث يعد من أكثر القطاعات كثافة في استخدام الأيدي العاملة، مما يساهم في التخفيف من حدة البطالة خاصة بين الشباب ، حيث تشير التقديرات إلى أن كل فرصة عمل مباشرة في قطاع البناء تخلق ما بين 1.5 إلى 2 فرصة عمل غير مباشرة في القطاعات الأخرى .

لقد أثبتت التجارب الدولية أن إشراك النقابات المهنية في عمليات التحديث الاقتصادي ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة لضمان نجاح هذه العمليات واستدامتها فالنقابات بما تضمه من كفاءات وخبرات متخصصة، تمثل بيوت خبرة وطنية قادرة على تقديم رؤى فنية وعلمية تسهم في ترشيد القرارات، وتحسين جودة المشاريع، وضمان تحقيق الأهداف التنموية.

إن غياب نقابة المهندسين عن جلسات التحديث الاقتصادي يمثل جرس إنذار، يدعونا جميعاً إلى إعادة التفكير في أسس الشراكة الوطنية، وأهمية تضافر الجهود لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة ففي العديد من الدول المتقدمة، تعتبر النقابات المهنية شريكاً أساسياً للحكومات في وضع الخطط الاقتصادية، ومراجعة التشريعات، وتطوير الأنظمة والمعايير الفنية. في ألمانيا على سبيل المثال، تلعب النقابات دوراً محورياً في نظام التعليم المهني المزدوج، الذي يجمع بين التدريب في الشركات والتعليم في المدارس المهنية، مما يضمن تخريج عمالة ماهرة تلبي احتياجات سوق العمل وفي سنغافورة كانت النقابات شريكاً أساسياً في عملية التحول الاقتصادي التي شهدتها البلاد، حيث عملت جنباً إلى جنب مع الحكومة وأصحاب العمل على تطوير المهارات، وزيادة الإنتاجية، وتحسين بيئة العمل و نحن في الأردن نزخر بالكفاءات والطاقات، ولكن الاستفادة منها تتطلب رؤية واضحة، وإرادة سياسية، وآليات عمل فعالة وهذا يحتاج إلى تجاوز هذه الفجوة، وبناء شراكة حقيقية بين الحكومة والنقابات المهنية فهو الطريق لضمان نجاح رؤية التحديث الاقتصادي، وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

ختاما فإن الهندسة ليست مجرد مهنة، بل هي عقل يخطط، ويد تبني، وروح تبتكر وقد حان الوقت لإعطاء هذا العقل دوره الذي يستحقه في رسم ملامح مستقبل بلدنا .

عن Alaa

شاهد أيضاً

*العلم الأردني*

الاول نيوز –  العميد الركن مصطفى عبدالحليم الحياري مدير الإعلام العسكري يتسامى العلم الأردني متوشحاً …