الأول نيوز – د. حسين سالم السرحان
احتفت عَمّان هذا المساء ببغداد وهي تمشي على قدمَي شاعرها الكبير حميد سعيد، المكرَّم بجائزة سلطان العويس الثقافية لعام 2025، في أمسيةٍ لم تكن احتفالًا بشاعرٍ فحسب، بل احتفالًا بالعراق حين يُصغي لنفسه، وبالعروبة حين تتذكّر معناها العميق.
تحت رعاية معالي الأستاذ مصطفى الرواشدة، وزير الثقافة، وبتنظيمٍ أنيق من جمعية الحوار الديمقراطي الوطني برئاسة معالي العين محمد داودية، وبتقديم الإعلامي المتمكن أسامة الرنتيسي تحوّل المركز الثقافي الملكي إلى ما يشبه ليلة عراقية خالصة، تتوزّع فيها بغداد بين الكلمات، وتطلّ دجلة من بين السطور، وتلمع عيون الرصافة في الذاكرة قبل الوجوه.
لم يغادر حميد سعيد العراق، وإن غادره جسدًا.
غادره اضطرارًا، وبقي فيه اختيارًا.
حمل بغداد معه كما يحمل القلب نبضه:
لا يُرى، لكنه لا يغيب.
ظلّ حزنها يسكن قصيدته، وظلّ دجلة يجري في إيقاعه، وظلّت الأزقّة الأولى تناديه كلما كتب، وكلما صمت أو تألّم لوجع الفراق.
تنقّل الشاعر بين العواصم، كما يفعل الشعراء حين تضيق بهم الأوطان وتتّسع بهم اللغة، لكنه اختار عَمّان؛ لا مصادفةً ولا استراحةَ عابر، بل شعورًا داخليًا عميقًا بأنها شقيقة بغداد: تشبهها في الصبر، وفي الحكمة، وفي الإيمان بالكلمة، وفي العروبة التي لا ترفع صوتها كثيرًا، لكنها لا تتخلّى عن معناها.
في تلك القاعة، لم تكن الكلمات مجرّد خطابات تكريم، بل شهادات انتماء.
بدت كلمات المتحدثين كأنها تتكامل لا تتنافس، وكأنها تصدر من روحٍ واحدة بأصواتٍ متعددة. وكانت الإضاءات الفكرية والأدبية التي قُدّمت حول تجربة حميد سعيد تؤكد أن الرجل ليس شاعر مرحلة، بل ضمير تجربة؛ شاعرًا ظلّ وفيًّا لفكرة العروبة بوصفها ثقافةً وموقفًا، لا شعارًا عابرًا.
العراق والأردن في تلك الأمسية لم يكونا دولتين، بل سردية واحدة، وروابط تاريخية نسجتها الجغرافيا، وعمّقتها المواقف، وثبّتها العروبة حين كانت امتحانًا صعبًا لا ينجح فيه إلا الأوفياء. ومنذ عقود، ظلّ الأردن، قيادةً وشعبًا، حاضرًا في وجدان العراق، وظلّ العراق في الوعي الأردني أكثر من خبرٍ عابر أو قضية بعيدة؛ كان دائمًا شقيقًا في الهمّ والمصير.
المملكة الأردنية الهاشمية، برسالتها العروبية الواضحة، وبشعبها الذي بينه وبين أمته عُروة وثقى، قدّمت في هذه الليلة نموذجًا لما يجب أن يكون عليه التكريم الثقافي:
تكريمًا لا يكتفي بالاحتفاء بالمنجز، بل يعترف بالمعنى،
ولا يصفّق للشاعر فقط، بل يُصغي لما مثّله وما دافع عنه.
وهكذا، خرج حميد سعيد من القاعة مكرَّمًا، لكن الأهم أن بغداد خرجت مرفوعة الرأس، وأن عَمّان أكّدت مرة أخرى أنها ليست مكانًا للعبور، بل مدينة للوفاء،
وأن الشعر – حين يكون صادقًا – يستطيع أن يجمع ما فرّقته السياسة، وأن يرمّم ما تصدّع في الروح العربية.
كانت ليلة عراقية على أرض الحشد والرباط،
وليست مصادفةً أن يكون الشعر هو الجسر
بين بغداد وعَمّان.
