الخط الفاصل بين حق النقد وبين خطاب الكراهية والتعدي

المحامي عاكف توفيق الداوود –

 

الأول نيوز – الحاجة تطرح نفسها بقوة في الأردن لصياغة تشريع واضح ودقيق لضبط الفرق بين التعدي والتحريض وبين النقد وذلك من خلال تعريف لا يخلط بين حرية التعبير وبين التحريض أو التعدي على معتقدات الاخرين بالتفرقة بينهم وبين سائر أفراد المجتمع تماشيا مع نص المادة (1/6 )من الدستور الأردني التي تنص على أن الاردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وان اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين. . فالجريمة التي تنال من المجتمع تبدأ فكرة ثم يقتضي نشرها التحريض وما تلبث أن يطبقها فاعل بارتكاب جريمة ، وقد لا يكون بين الداعي للفكرة وبين مرتكب الجريمة أي علاقة مباشرة سوى تأثر المجرم بأفكار الداعية .

لقد حسمت دول عديدة ذلك ، وشرعت قوانين تضبط هذا الاختلاف الدقيق ، اما بالنص على تعريف أشكال التمييز والتحريض على الكراهية حسب الدين أو الطائفة أو الجنس أو المعتقد او اللون أو حتى الأصل قبل حصول الفرد على جنسية البلد التي يعيش بها . أو بتعريف واضح للاختلاف بين النقد الموجه للأفكار أو النصوص أو العقائد  وبين التحريض والتعدي على الأديان أو العقائد والطوائف من خلال التفريق بين النقد الموجه الى النص وبين التحريض الموجة الى أتباع تلك الأديان او العقائد او الطوائف كأشخاص أو جماعات بشرية وذلك عبر الدعوة لإقصاء تلك الجماعات او الأشخاص أو عبر الحط من قيمتهم أو الحط من قيمة دينهم أو معتقداتهم أو الدعوة لكراهيتهم .

هنالك العديد من النصوص في القوانين الأردنية التي تلامس ذلك لكنها لا تضع تعريفا واضحا جامعا مانعا له ، هنالك نصوص في قانون العقوبات الأردني ( المادة 150 و 278 ) وهنالك نصوص في قانون الجرائم الالكترونية وهنالك نصوص في قانون الاعلام المرئي والمسموع ، لكنها جميعا تتميز بالعمومية وعدم الوضوح في التمييز بين حرية التعبير والنقد وبين التحريض والتعدي . استطيع القول بأنها نصوص تجريمية لا نصوص إيجابية ، بحيث لا توضح الحدود الفاصلة بين الكراهية والتمييز وبين حق التعبير . وقد تركت التشريعات الامر لقرارات المحاكم لتحدد سقف الحرية او حدودها أو ضوابطها وأركانها . مثلا لقد اعتبرت محكمة التمييز بأن وصف أبو مصعب الزرقاوي بالشهيد يعد من قبيل اثارة الفرقة بين أبناء المجتمع الواحد مستندة في ذلك الى احتجاج أهالي الشهداء ووقوفهم أمام البرلمان باعتصام وتقديمهم لشكوى ضد الفاعلين . وهذا مثال واضح على عدم وجود تعريف أو نصوص واضحة لان الأصل ان وجود حادثة وطنية بحجم تفجيرات الفنادق من المفترض ان تعتبر حدث وطني كبير بمجرد اطلاق وصف الشهداء على من قضوا في تلك الحوادث بحيث أصبحت جزء من القيم الوطنية لا يجوز الخروج على الاجماع فيها والا اعتبر ذلك من قبيل بث الفرقة بين افراد المجتمع الواحد وهو الامر الذي لم يحدث لان المحكمة كانت بحاجة الى اثبات تضرر فئة من المجتمع ( أهالي الشهداء ) ،  وغياب هذا التعريف الضابط هو الذي أدى الى تدحرج قضية الشهيد ناهض حتر من الرأي الى التحريض الى النبذ الى ارتكاب جريمة . ولو كان هنالك فيصل واضح ودقيق لتم ضبط هذا التدحرج ووقفه في الوقت المناسب بمعاقبة كل الأطراف لا ترك طرف يتعدى والأخر يتلقى نتائج التعدي .

مفهوم بان كل ما يتعلق بتقييد حرية التفكير والرأي حساس في العالم العربي لان الاتجاه عادة يميل الى استخدام هذه النصوص من أجل تقييد الحريات لا تنظيمها . لذلك فان قانون مثل قانون ” مكافحة التمييز والكراهية والتطرف ” الصادر في الأمارات العربية المتحدة قد نص بوضح على تحديد الأفعال التي لا تعتبر من قبيل ” حرية التعبير ” قاطعا بذلك الشك حول أي تداخل محتمل بين حرية التعبير والرأي وبين خطاب الكراهية أو التمييز أو التطرف . تنص المادة الثالثة من القانون المذكور ” لا يجوز الاحتجاج بحرية الرأي والتعبير لإتيان أي قول أو عمل من شأنه التحريض على ازدراء الأديان أو المساس بها، بما يخالف أحكام هذا المرسوم بقانون.” بينما تحدد المادة الرابعة من القانون الاعمال التي تعد من قبيل ازدراء الأديان . وساعطيكم مثال لمعرفة كيفية الوصف الدقيق للفعل في البند الثاني من المادة المذكورة والتي تنص بوضوح على اعتبار الفعل التالي ازدراء للأديان ويتعرض مرتكبه للعقوبة  ” الإساءة إلى أي من الأديان أو إحدى شعائرها أو مقدساتها، أو تجريحها أو التطاول عليها أو السخرية منها أو المساس بها، أو التشويش على إقامة الشعائر أو الاحتفالات الدينية المرخصة أو تعطيلها بالعنف أو التهديد.” نحن في الأردن لا نحب الوضوح في التشريعات التي تنظم الحريات العامة او تلك التي تحدد الفرق بين النقد وحرية التعبير وبين خطاب الكراهية والتحريض والتعدي والغاية من ذلك واضحة هي ترك النص مرنا الى الحد الذي يسمح الامر باستخدامه اما للحد من الحريات او للحد من التحريض والكراهية حسب حاجة الدولة والظروف المحددة وقت استخدام النص  .

لم تكن تجربة القبض على مروجي فكرة رفض الاحتفال بالأعياد المسيحية تجربة لطيفة لا للمسيحيين ولا للمقبوض عليهم ، فالمسيحيون يعون ان هذا الاجراء غير الواضح أو المحدد في أساسه القانوني يزيد غضب فئة ضدهم ، والمقبوض عليهم سيزداد شعورهم بالمظلومية التي تتأتى من اعتقادهم بأن ما يقومون به فعل يتوافق مع الدين وغير مخالف للقانون . كان الأولى وجود تشريع واضح يتضمن تعريفات دقيقة تصف الأفعال بدقة وتجرمها ، هنا كان يمكن معرفة ما اذا كان الفاعلون قد ارتكبوا جريمة أم لا ، وفي حال كان الجواب بنعم يصار الى  تحويل من يخالف القانون الى المحاكم المختصة لا الى مراكز توقيف تزيد الشعور بالظلم الامر الذي لا يعالج أي مشكلة من جذورها وكل ما تفعله هو تحويل الاحتفالات الى سجالات منغصه لا غير .

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

هل علينا أن نتفاءل في عام 2026؟

الأول نيوز – د.مارسيل جوينات سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه يحمل في طياته قلق …