الاول نيوز – د. حسين سالم السرحان
مملكتنا الحبيبة ليست رقعةً جغرافية تُعرَّف بحدودها، ولا تاريخًا يُختصر في تواريخ ومحطات، بل هي حالة إنسانية نادرة، تتجلّى بأبهى صورها حين تلامس الحياة اليومية للناس؛ في أفراحهم، وفي أحزانهم، وفي قدرتهم الفريدة على تحويل الاختلاف إلى معنى، والتنوّع إلى ثراء.
ولعل من أراد أن يعرف الأردن على حقيقته، بعيدًا عن الشعارات والإنشاء، فليذهب لقضاء جزء من يومه، في العيد المجيد، إلى بيت الفحيص.
فالشعب الأردني العروبي يشكّل نموذجًا خاصًا، لا في محيطه العربي فحسب، بل في العالم كله. نموذج لا يمكن اختزاله بكلمات من قبيل “التعايش” أو “الأخوّة في الوطن”، لأن هذه المفردات — على جمالها — تعجز عن توصيف عُرى القربى العميقة، والوشائج الإنسانية المتينة التي نسجها الأردنيون عبر أجيال طويلة، حتى بات السؤال عن الدين أمرًا غير مطروح، أو مطروحًا بلا حرج، وبلا خوف، وبلا حاجة إلى تفسير أو تبرير.
في بلدنا الحبيب، لم تتعلّم الأجيال كيف “تتعايش”؛ بل وُلدت وهي تعيش معًا.
كبرت وهي ترى الإنسان قبل أي تعريف آخر، وترى الوطن سقفًا واحدًا يتّسع للجميع.
وقد رأينا ذلك بأمّ أعيننا، في تجربة لا تُنسى، حين شاركنا — ضمن أسرة جمعية الحوار الديمقراطي الوطني — أهلنا في الفحيص احتفالات أعياد الميلاد المجيدة. لم تكن مشاركة بروتوكولية، ولا مجاملة عابرة، بل حالة إنسانية صادقة، دافئة، نادرة، تشبه الأردن كما نحب أن نراه ونحياه.
كنا مع الأهل في بيت الفحيص، وفي دارة النطاسي، طبيب القلب الكركي يوسف باشا القسوس.
كنا هناك أسرة جمعية الحوار الديمقراطي الوطني:
محمد داودية،
أسامة الرنتيسي،
المهندس عبدالله فريج،
الدكتور محمد موسى،
المحامي جلال عبيد،
الأستاذ عمر أبو العيس العموش،
وأنا…
لكننا في الحقيقة لم نكن أفرادًا بأسمائنا، بل رأينا كل الأردن حاضرًا بفسيفسائه الجميلة؛ رأيناه مبتهجًا، منفتحًا، متماسكًا، يشارك أهله الفرح رغم ثقل التحديات، ورغم قسوة واقع الأمة، ورغم الضجيج الذي يحاول أحيانًا أن يُقنعنا بأن ما يجمعنا هشّ أو قابل للكسر.
غير أن بيت الفحيص قال — دون خطابات — إن ما يجمع الأردنيين أعمق من كل العواصف، وأسمى من ترّهات المنغلقين ذوي المشاعر السلبية والعقول المتحجرة، أولئك الذين يرون في الآخرين، ممن يختلفون عنهم، حرمةً في مشاركتهم أعيادهم. فأيّ بشر هؤلاء، وقد نصبوا أنفسهم أوصياء على الإنسانية، وقيم المحبة والتسامح فيها؟
هناك، في الفحيص، وخلال الاحتفال بعيد الميلاد المجيد، أدركنا أن وطننا لا تليق به إلا المحبة، والرحمة، والسلام؛ وأنه لا يُختصر في خطاب ديني سياسي مؤدلج بالكراهية، ولا يُعرَّف عبر نشرات الأخبار، بل يُفهم في لحظة صدق، في مصافحة، في ترنيمة تُقابلها تهنئة، وفي شعور داخلي بأن هذا الوطن، رغم كل شيء، ما زال يعرف طريقه إلى الإنسان.
بيت الفحيص لم يكن مكانًا فحسب، بل كان مرآة؛
مرآة عكست أجمل ما في الشخصية الأردنية: البساطة، والكرامة، والاحترام، والمشاركة بمحبة، والقدرة على أن نكون معًا… بلا شروط.
ومن أراد أن يعرف الأردن حقًا، فليبدأ من هناك، ولا يُصغِ إلى ذلك النفر الخارج عن روح الوحدة الوطنية الأردنية، وليُعاد النظر في كل معتقد أو موقف ينتقص من قيمها الرائعة.
كل عام وأهلنا في المصير والحياة، والعروبة، بألف ألف خير.



