حين تسقط الأهداف الكبرى: نتنياهو وعبث الحرب وانكشاف الوهم ‎

الأول نيوز – صلاح ابو هنّود
‎مخرج وكاتب
‎ليست العبثية في الحرب أن تفشل، بل أن تستمر بعد أن يتكشّف وهم أهدافها. أن تُدار المعركة بعناوين كبرى، فيما الواقع يفضح هشاشتها، وأن يُرفع سقف المشروع إلى حدود الأسطورة، بينما الأرض تضيق، والشرعية تتآكل، والمعنى ينهار. من هذا المنظور، تبدو حرب نتنياهو اليوم أقرب إلى فعل عبثي منها إلى حربٍ ذات غاية.
‎منذ بدايات المشروع الصهيوني، سكنت العقل السياسي الإسرائيلي أهداف توسعية مغلّفة بخطاب ديني–تاريخي، أبرزها أسطورة “إسرائيل الكبرى”، الممتدة رمزيًا من الفرات إلى النيل. لم تكن هذه العبارة مجرد شعار عابر، بل أفقًا ذهنيًا حكم السياسات، وأنتج الحروب، وبرر العنف باسم التاريخ والمقدّس. غير أن الواقع، كما التاريخ، كان أقسى من الأسطورة.
‎اليوم، وبعد كل هذا الدم، يتضح أن تلك الأهداف فشلت على جميع الجبهات.
‎فشلت عسكريًا في كسر إرادة الشعوب،
‎وفشلت سياسيًا في فرض الاستسلام،
‎وفشلت أخلاقيًا في إقناع العالم بسرديتها،
‎وفشلت وجوديًا في منح المجتمع الإسرائيلي شعورًا بالأمن أو المستقبل.
‎حين تُقصف المدن، لا يُفتح طريق إلى النيل،
‎وحين تُدمَّر الأحياء، لا يقترب الفرات،
‎بل تبتعد إسرائيل أكثر عن أي تعريفٍ معقول للنصر.
‎هنا تبدأ العبثية الحقيقية:
‎حين تتضخم الأهداف في الخطاب، وتتآكل في الواقع.
‎وحين تتحول الحرب إلى استمرار بلا أفق، لا لأنها تحقق إنجازًا، بل لأن التوقف يعني الاعتراف بالهزيمة، والاعتراف أخطر على نتنياهو من استمرار الدمار.
‎نتنياهو لا يدير حرب دولة بقدر ما يدير أزمة بقاء سياسي.
‎هو لا يقاتل من أجل مشروعٍ قابل للحياة، بل من أجل تأجيل لحظة السقوط: سقوط السردية، وسقوط الثقة، وسقوطه الشخصي. في هذا المستوى، تتحول القوة من أداة إلى عبء، ويصبح القتل لغةً بديلة عن الفكرة، والتدمير ستارًا يخفي عجزًا عميقًا عن صياغة مستقبل.
‎والحقيقة التي يصعب تجاهلها أن هذا “الهيكل” السياسي كان سينهار لولا الدعم الأميركي المباشر، ولولا الغطاء الذي وفره دونالد ترامب تحديدًا، في لحظة كان فيها المشروع الإسرائيلي بأمسّ الحاجة إلى قوة خارجية تمنحه شرعية مصطنعة. لم يكن ذلك دعمًا أخلاقيًا ولا حلًا استراتيجيًا، بل تأجيلًا للانهيار وصفقة بقاء مؤقتة.
‎غير أن الدعم الخارجي، مهما بلغ، لا يصنع معنى ولا يمنح شرعية دائمة. إنه يؤجل السقوط، لكنه لا يمنعه. فالمشاريع التي لا تستند إلى حق، تعيش على الإنعاش السياسي، لا على الحياة الطبيعية.
‎الأخطر أن هذا العبث لا يدمّر الضحية وحدها، بل ينخر الداخل الإسرائيلي نفسه. مجتمع يُدفع إلى أقصى التطرف لتبرير حرب بلا أفق، يفقد توازنه، ويتآكل وعيه، ويتحوّل من كيان يبحث عن الأمن إلى كيان يعيش في خوف دائم من زواله.
‎في الفلسفة، العبث هو الاستمرار في الفعل مع اليقين بانعدام جدواه. وهذا هو جوهر هذه الحرب:
‎أهداف سقطت،
‎وسردية تآكلت،
‎وقوة بلا معنى.
‎وفي المقابل، تتكرّس حقيقة لا يمكن قصفها ولا إسكاتها:
‎الحق لا يُهزم بالقوة، بل تُفضَح القوة حين تعجز عن هزيمته.
‎وكلما بالغت في عنفها، أعلنت إفلاس مشروعها.
‎في النهاية، لن يُسأل نتنياهو عن اتساع أحلامه،
‎بل عن خراب ما تبقى منها.
‎ولن تُذكر أسطورة “من الفرات إلى النيل” كحلمٍ مؤجل،
‎بل كـوهمٍ انكشف أمام شعوبٍ رفضت أن تختفي.
‎هذا ليس نصرًا مؤجلًا…
‎هذا انكشاف العبث.

عن Alaa

شاهد أيضاً

هل علينا أن نتفاءل في عام 2026؟

الأول نيوز – د.مارسيل جوينات سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه يحمل في طياته قلق …