الأول نيوز – المحامي د. أحمد ناصر الطهاروه
أعاد اعلان دولة الاحتلال الاعتراف بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا يتجاوز السياسة الآنية، ليمسّ عمق القانون الدولي ومبادئه الحاكمة، وفي مقدمتها سيادة الدول ووحدة أراضيها. فهذا الإعلان – إن تم – لا يمكن النظر إليه بوصفه خطوة دبلوماسية عادية، بل باعتباره اعترافًا خارج إطار الشرعية الدولية، له أبعاد قانونية وجيوسياسية معقدة.
في عام 2013، تشرفت بأن أكون العربي الوحيد ضمن مهمة الأمم المتحدة لبناء قدرات الشرطة الصومالية، وهي مهمة جمعت بين البعد المؤسسي والأمني والإنساني. وقد أتاحت لي هذه التجربة الميدانية، عن قرب، فهم طبيعة الدولة الصومالية وتعقيدات أقاليمها، بعيدًا عن القراءة النظرية أو التحليل من خلف المكاتب.
خلال تلك المهمة، شاركت مع فريق دولي متعدد الجنسيات في بناء وتطوير بنية تحتية شرطية متكاملة، شملت إنشاء مراكز أمنية ومديريات شرطة في عدد من الأقاليم، إلى جانب تأسيس مختبر جنائي حديث، ووضع الأسس المهنية لعمل إدارة البحث الجنائي بما يتوافق مع المعايير الدولية المعتمدة. كما عملنا على تجهيز الشرطة الصومالية تقنيًا ولوجستيًا، من خلال توفير أجهزة الحاسوب اللازمة لأعمال التوثيق والتحقيق، وتأمين واقيات الرصاص والخوذ الواقية، بما يعزز من سلامة رجال الأمن وقدرتهم على أداء واجباتهم في بيئة أمنية شديدة التعقيد.
وفي الجانب التدريبي، أولينا اهتمامًا خاصًا بمبدأ بناء الإنسان قبل بناء المؤسسة، فعُقدت دورات متخصصة في أصول التحقيق الجنائي، وإدارة مسرح الجريمة، ومبادئ حقوق الإنسان وإنفاذ القانون، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الشرطة الفاعلة ليست تلك التي تملك القوة فقط، بل التي تجمع بين الاحتراف المهني واحترام الكرامة الإنسانية.
ومن منطلق المهنية والحياد اللذين تفرضهما مهام الأمم المتحدة، حرصنا على أن يُقدَّم الدعم لإقليم أرض الصومال بالقدر ذاته الذي قُدِّم لبقية أقاليم الصومال، دون تمييز أو انتقاص، التزامًا بمبدأ العدالة المؤسسية وتكافؤ بناء القدرات. وهذا التفصيل مهم، لأنه يثبت أن المجتمع الدولي – عمليًا – تعامل مع أرض الصومال بوصفها إقليمًا ضمن الدولة الصومالية، لا ككيان مستقل أو منفصل.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا تعلن دولة الاحتلال الاعتراف بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة؟
الجواب، برأيي، لا يكمن في دعم حق تقرير المصير، ولا في الحرص على استقرار الصومال، بل في الاعتبارات الجيوسياسية والاستراتيجية.
يتمتع إقليم أرض الصومال بموقع بالغ الحساسية، إذ يطل على خليج عدن، ويسيطر جغرافيًا على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عبر مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويُعد أحد أهم شرايين الملاحة العالمية. ويبرز في هذا السياق ميناء بربرة، الذي يشكل نقطة جذب للتنافس الإقليمي والدولي، لما يوفره من موطئ قدم استراتيجي على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
إلى جانب الموقع، يتمتع الصومال – بأقاليمه كافة – بثروات طبيعية كبيرة، تشمل موارد معدنية واعدة مثل النفط والغاز والذهب والحديد واليورانيوم، فضلًا عن ثرواته البحرية الغنية، وقطاع الثروة الحيوانية الضخم، والزراعة المتنوعة، إضافة إلى إمكانات سياحية هائلة تمتد على شريط ساحلي يزيد على ثلاثة آلاف كيلومتر. وهي معطيات تجعل من الصومال، وإقليم أرض الصومال تحديدًا، هدفًا مغريًا للقوى الباحثة عن النفوذ والموارد.
من هذا المنطلق، أرى أن أي اعتراف دولة الاحتلال بإقليم أرض الصومال لا يمكن فصله عن حسابات النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ولا عن سياسة فرض الأمر الواقع بعيدًا عن قواعد القانون الدولي. وهو اعتراف، في جوهره، سياسي انتقائي، يفتقر إلى السند القانوني، ويصطدم مباشرة بمبدأ وحدة أراضي الدول، ويهدد بإعادة إنتاج بؤر توتر جديدة في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة الاستقرار.
إن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط خرقه للشرعية الدولية، بل تكريسه منطق التعامل مع الأقاليم والدول بوصفها أوراقًا جيوسياسية، لا كيانات ذات سيادة وحقوق. وهذا ما يجعل من هذا الاعتراف – إن تم – سابقة مقلقة، لا للصومال وحده، بل للنظام الدولي برمته.
يتبع…