الأول نيوز – المحامي د. أحمد ناصر الطهاروه
أثار الحديث عن قيام دولة الاحتلال بالاعتراف إقليم أرض الصومال كدولة مستقلة جدلًا واسعًا، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على صعيد القانون الدولي العام، لما يحمله من مساس مباشر بمبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها، وهو أحد الأعمدة الأساسية للنظام الدولي المعاصر.
يُعدّ الاعتراف بالدول عملًا سياديًا من حيث الشكل، لكنه ليس مطلقًا من حيث المضمون. فالقانون الدولي لم يترك مسألة قيام الدول للاجتهاد السياسي الحر، بل وضع لها ضوابط واضحة، أبرزها ما ورد في اتفاقية مونتفيديو لعام 1933، التي حددت أركان الدولة في: شعب دائم، إقليم محدد، حكومة تمارس سلطة فعلية، وقدرة على الدخول في علاقات دولية.
ورغم أن إقليم أرض الصومال يتمتع منذ أوائل التسعينيات بقدر من الاستقرار الإداري والأمني مقارنة ببقية الصومال، إلا أن هذا الواقع لا يكفي وحده لقيام الدولة قانونًا، إذ يظل الاعتراف الدولي الجماعي عنصرًا حاسمًا في إسباغ الصفة القانونية الكاملة، وهو ما لم يتحقق حتى اليوم.
يُعدّ مبدأ وحدة أراضي الدول من القواعد الآمرة (Jus Cogens) في القانون الدولي، وقد كُرّس في ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة، كما أكدته محكمة العدل الدولية في أكثر من مناسبة. ويقضي هذا المبدأ بعدم جواز الاعتراف بانفصال إقليم عن دولة ذات سيادة إلا في حالات استثنائية محدودة، كحالات إنهاء الاستعمار أو وجود احتلال أجنبي أو ارتكاب انتهاكات جسيمة ومنهجية بحق السكان.
وفي حالة إقليم أرض الصومال ، فإن الدولة ما زالت قائمة وعضوًا كامل الحقوق في الأمم المتحدة، ولم يصدر عنها أي قبول أو موافقة على انفصال أرض الصومال، كما لا تنطبق عليها الشروط الاستثنائية التي تبرر الانفصال وفق القانون الدولي. وعليه، فإن أي اعتراف خارجي بالإقليم كدولة مستقلة يُعدّ مخالفة صريحة لمبدأ وحدة الأراضي.
كثيرًا ما يُستند إلى حق تقرير المصير لتبرير حالات الانفصال، إلا أن هذا الحق في القانون الدولي له بعدان: داخلي وخارجي. فالتقرير الداخلي يتمثل في تمكين السكان من إدارة شؤونهم والمشاركة في الحكم ضمن الدولة القائمة، أما التقرير الخارجي، أي الانفصال، فلا يُقرّ إلا في ظروف استثنائية ضيقة.
وفي حالة أرض الصومال، لا يوجد سند قانوني يبرر الانتقال من تقرير المصير الداخلي إلى الخارجي، ما يجعل أي محاولة لتكريس الانفصال غير مستندة إلى أساس قانوني سليم.
إن اعتراف دولة الاحتلال بأرض الصومال يبقى سياسيًا أحاديًا، لا يُنشئ دولة جديدة في نظر القانون الدولي، ولا يرتّب آثارًا قانونية عامة، ولا يغيّر من الوضع القانوني للإقليم باعتباره جزءًا من دولة الصومال. فالقاعدة المستقرة أن الاعتراف لا يخلق الدولة، بل يقرّ بوجودها، وإذا كان هذا الوجود محل نزاع أو غير مكتمل قانونيًا، فإن الاعتراف يظل بلا أثر.
تكمن خطورة هذا الاعتراف في كونه لا يستند إلى منطق قانوني، بل إلى حسابات جيوسياسية، بما قد يفتح الباب أمام سوابق تهدد استقرار مناطق هشة أصلًا، مثل القرن الإفريقي، وتُضعف مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتُقوّض النظام الدولي القائم على الشرعية والتوافق.
إن أي اعتراف إسرائيلي بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة يُعدّ، من منظور القانون الدولي العام، اعترافًا خارج الشرعية، عديم الأثر القانوني، ومخالفًا لمبدأ وحدة أراضي الدول. فالقانون الدولي لا يُدار بإرادات منفردة، بل بشرعية جماعية، وأي تجاوز لذلك لا يؤدي إلا إلى مزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار.