الغطرسة الإمبراطورية: طريق القوة إلى فنائها

صلاح ابو هنّود

مخرج وكاتب –

الأول نيوز – ما حدث في فنزويلا ليس واقعة عابرة في دفتر السياسة الدولية الأمريكية، بل إشارة إنذار إلى مستقبل يُعاد فيه تعريف السيادة بمنطق القوة لا بمنطق القانون. حين تُدار مصائر الدول من غرف القرار في العواصم الكبرى، ويُلوَّح بإسقاط الأنظمة أو خطف الرؤساء كأدوات ضغط مشروعة، فإننا نكون أمام مرحلة جديدة من السلوك الإمبراطوري، مرحلة لا تتوقف عند فنزويلا، بل تفتح الباب على سيناريوهات أكثر خطورة في أماكن أخرى من العالم.

هذا السلوك ليس جديدًا في جوهره، بل قديم في تاريخه. ما جرى مع صدام حسين، ثم مع معمر القذافي، لم يكن استثناءً، بل تجلّيًا صارخًا لمنطق يرى العالم ساحة مفتوحة، والسيادة تفصيلًا قابلًا للكسر، والقانون أداة تُستدعى حين تخدم القوة وتُهمَل حين تعيقها.

حين تتحول أكبر قوة في العالم من فاعل سياسي إلى قاضٍ وجلاد في آن واحد، فإنها لا تمارس القيادة، بل تستعرض الهيمنة. الزعيم السويّ لا يحتاج إلى فرق خطف، ولا إلى إعادة هندسة العالم عبر الإذلال؛ لأنه يدرك أن السياسة تُدار بالتوازن والشرعية وبناء النظام، لا بإنتاج الفوضى المقنّعة بشعارات الحرية.

التاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات لا تبدأ بالسقوط عندما تضعف جيوشها، بل عندما تختل بوصلتها الأخلاقية. عندها تستبدل الدبلوماسية بالإكراه، والاتفاق بالقسر، والشرعية بالقوة العارية. فتربح معركة وتخسر المعنى، وتنتصر تكتيكيًا وتنهزم استراتيجيًا أمام الزمن.

روما حين بالغت في سحق أطرافها، بدأت تتآكل من الداخل. والإمبراطورية البريطانية حين تعاملت مع العالم كملكية خاصة، فقدت قدرتها على الاستمرار. والاتحاد السوفييتي حين اعتمد منطق القوة المجردة، انهار دون أن تُنقذه ترسانته. القاسم المشترك واحد: الغطرسة التي تُنتج أعداء أكثر مما تُنتج حلفاء، وتحول الهيبة إلى خوف، والخوف إلى كراهية، والكراهية إلى مقاومة طويلة النفس.

إسقاط الأنظمة بالقوة، أو اختطاف الرؤساء، لا يُثبت التفوق الأخلاقي ولا العقلانية السياسية؛ بل يشرعن الفوضى عالميًا. فإذا كان الأقوى يفعل ذلك بلا حساب، فما الذي يمنع الآخرين من تقليده حين تتبدل موازين القوة؟ هكذا تُقوَّض فكرة النظام الدولي من أساسها، وتتحول القوة إلى سابقة خطِرة لا إلى ضمانة استقرار.

الغطرسة الإمبراطورية تحمل بذور فنائها في داخلها. لأنها تُراكم الأخطاء، وتُفرغ السياسة من معناها، وتختصر العالم في منطق القبضة. قد تطيل عمر الهيمنة، لكنها تُقصّر عمر الشرعية. وفي لحظة ما، يطالب الزمن بثمنه.

الإمبراطوريات لا تسقط بضربة واحدة، بل بسلسلة قرارات خاطئة، كلها تبدأ من وهم الخلود. وحين تعتقد القوة أنها فوق المحاسبة، فإنها — من حيث لا تدري — تكون قد خطت أولى خطواتها في الطريق ذاته الذي سلكته إمبراطوريات سبقتها: طريق القوة العمياء… وطريق الفناء المؤجّل.

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

طِقْسُ الشَّنْفَرَى.. كيف حوّل منذر رياحنة أبطال الرمال إلى فيلم من خمس مراحل ألم

الأول نيوز – لا تُبنى خماسية الشنفرى في مسلسل أبطال الرمال بوصفها سردًا لحياة شاعر …