الأول نيوز – الدكتور احمد ناصر الطهاروة
ما جرى ويجري في فنزويلا ليس حدثًا عابرًا في سجلّ الأزمات الدولية، ولا حالةً استثنائية خرجت عن سياق التاريخ السياسي، بل هو نموذج صريح ومكثّف لما تُسمّيه مدارس العلاقات الدولية بـ الواقعية السياسية؛ تلك المدرسة التي تقول – بلا مواربة – إن الدول لا تُقاد بالأخلاق ولا بالمثاليات، بل تُدار وفق منطق المصالح، وحسابات القوة، وتوازنات النفوذ.
لقد أثبتت التجربة الفنزويلية أن الخطاب الأخلاقي الذي تتغنّى به القوى الكبرى ليس سوى أداةٍ وظيفية، يُستدعى حين يخدم الهدف، ويُركَن جانبًا عندما يتعارض مع المصلحة. فالدولة التي ترفع شعار “الديمقراطية وحقوق الإنسان” لا تتردد في خنق اقتصاد دولة أخرى بالعقوبات، إذا ما رأت في سياساتها تهديدًا لمصالحها الاستراتيجية أو الاقتصادية، ولا تجد حرجًا في دعم أنظمة أو قوى تتناقض تمامًا مع تلك الشعارات نفسها في أماكن أخرى من العالم.
ما حدث في فنزويلا يعلّمنا – بوضوح لا لبس فيه – أن السياسة الدولية ليست ساحة وعظٍ أخلاقي، بل ميدان صراع مصالح. النفط، الموقع الجغرافي، التحالفات الإقليمية، والتموضع في خريطة الصراع الدولي؛ كلّها عوامل جعلت من فنزويلا هدفًا لضغوط هائلة، تجاوزت حدود الخلاف السياسي إلى محاولة إنهاك الدولة من الداخل، اقتصاديًا واجتماعيًا، على أمل تغيير سلوكها أو نظامها السياسي.
ومن وجهة نظري، فإن الخطأ القاتل الذي تقع فيه بعض الدول – خصوصًا النامية منها – هو الاعتقاد بأن حسن النوايا كافٍ لحمايتها، أو أن الانحياز الخطابي لقيمٍ معينة يضمن لها الاحترام أو الدعم. فنزويلا قدّمت مثالًا قاسيًا على أن الدولة التي لا تمتلك عناصر القوة، أو بدائل استراتيجية، أو شبكة تحالفات متوازنة، تكون عرضة للابتزاز مهما كان خطابها “أخلاقيًا” أو “ثوريًا”.
الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن القيم، لكنها تعني فهم موقعها الصحيح:
القيم تُستخدم داخل الدولة لبناء الشرعية والتماسك، أما في الخارج فالمعيار هو المصلحة الوطنية. الدول التي خلطت بين الأمرين دفعت أثمانًا باهظة، وفنزويلا واحدة من أبرز هذه الحالات في العصر الحديث.
إن الدرس الأهم مما حدث في فنزويلا هو أن السيادة لا تُحمى بالشعارات، بل بإدارة ذكية للمصالح، وتنويع للاقتصاد، وتوازن في العلاقات الدولية، وعدم الارتهان لمحور واحد. كما أن الاعتماد المفرط على مورد واحد – مهما كان استراتيجيًا – يجعل الدولة مكشوفة أمام أدوات الضغط الخارجية.
العالم لا يحترم إلا من يفهم قواعد لعبته. من يقرأ السياسة بعيونٍ أخلاقية فقط، سيصطدم حتمًا بواقعٍ قاسٍ لا يعترف إلا بالقوة والمصلحة. وما حدث في فنزويلا ليس سوى تذكيرٍ جديد، وربما مؤلم، بأن الواقعية السياسية ليست خيارًا فكريًا، بل ضرورة وجودية للدول في نظام دولي لا يرحم الضعفاء.