الدكتور أحمد ناصر الطهاروة – الأول نيوز –
أعاد القرار الأمريكي الأخير المتعلق بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، وما تبعه من إجراءات بحق بعض الأفراد، طرح تساؤلات مشروعة حول انعكاساته المحتملة على المشهد الداخلي الأردني، لا سيما على صعيد العمل الحزبي والتنظيمي.
ورغم أن هذا القرار لا يُنتج أثرًا قانونيًا مباشرًا داخل المملكة، إلا أنه يندرج ضمن سياق سياسي إقليمي ودولي معقّد، يدفع الدولة الأردنية إلى إعادة التأكيد على نهجها القائم على الضبط القانوني لا الاستجابة السياسية.
من المرجّح أن يشكّل هذا التطور عامل تسريع لمسار وطني كانت الدولة الأردنية قد بدأت به منذ سنوات، يقوم على الفصل الواضح بين ثلاثة أنماط من العمل طالما تداخلت في التجربة السياسية لبعض الحركات والتنظيمات، وهي: العمل الدعوي، والعمل السياسي، والعمل التنظيمي السري.
فالعمل الدعوي، بوصفه نشاطًا اجتماعيًا ودينيًا، يجب أن يبقى ضمن إطاره الطبيعي، خاضعًا للقانون، واضح الأهداف، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو التنظيمي. وقد أكدت الدولة الأردنية، في أكثر من محطة، أنها لا تعادي التدين ولا تستهدف العمل الخيري، لكنها ترفض الخلط بين المنبر الديني والمشروع السياسي أو التنظيمي.
أما العمل السياسي، فهو حق دستوري أصيل، لكنه لا يُمارس إلا من خلال أحزاب مرخصة، وبرامج معلنة، وبُنى تنظيمية شفافة، تخضع للمساءلة القانونية. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ستتطلب من الأحزاب، خصوصًا ذات المرجعيات الأيديولوجية، ترسيخ استقلالها الكامل عن أي أطر تنظيمية موازية أو غير معلنة، لأن العمل السياسي بطبيعته يقوم على العلنية والوضوح.
في المقابل، يبقى العمل التنظيمي السري هو الإشكالية الأبرز، إذ تنظر إليه الدولة بوصفه خطرًا محتملاً على النظام العام، خاصة عندما يقترن بهياكل غير معلنة، أو بولاءات عابرة للحدود، أو بتمويل غير واضح المصدر. وفي هذا السياق، لا يتعلق الأمر بالأفكار أو التوجهات، بل بطبيعة الممارسة ذاتها.
من الناحية القانونية، لا تشير المؤشرات إلى نية الدولة سن تشريعات استثنائية، بل إلى تشديد تطبيق القوانين النافذة، وبما ينسجم مع مبدأ سيادة القانون والمساواة أمامه.
ففيما يتعلق بقوانين الجمعيات، يُتوقع تعزيز الرقابة على طبيعة الأنشطة، ومصادر التمويل، وأوجه الصرف، مع التأكيد على الفصل التام بين العمل الخيري والعمل السياسي.
وفيما يخص قوانين الأحزاب، سيكون التركيز على استقلال القرار الحزبي، ووضوح البنية التنظيمية، والالتزام بأحكام الترخيص، وعدم الارتباط بأي تنظيمات خارج الإطار القانوني.
أما ملف التمويل الأجنبي، فيُعد الأكثر حساسية، حيث ستُخضع التحويلات والدعم الخارجي لمراجعة دقيقة، تضمن الإفصاح الكامل عن المصادر، وربط أي مخالفة مالية بالمساءلة القانونية، دون استهداف أو انتقائية.
إن أي إجراءات متوقعة ستكون منبثقة من القرار السيادي الوطني، ومحكومة بالدستور، وبعيدة عن منطق العقاب الجماعي أو الإقصاء.
فالتمييز ضروري بين مكافحة التطرف وحماية التعددية السياسية، وبين فرض هيبة القانون واحترام حق الاختلاف المشروع. وهذا التوازن هو ما سعى الأردن إلى الحفاظ عليه عبر عقود، وهو ما سيستمر في التمسك به.
إن القرار الأمريكي، بغض النظر عن خلفياته، لا يشكّل مرجعية قانونية للدولة الأردنية، لكنه قد يكون دافعًا إضافيًا لتعزيز مسار داخلي عنوانه: وضوح في الأدوار، فصل بين المسارات، شفافية في التمويل، والتزام صارم بالقانون.
وهو مسار لا يستهدف الحياة السياسية، بل يحميها، لأن العمل العام لا يزدهر في الظل، ولا يستقيم مع الغموض التنظيمي، ولا يكتسب شرعيته من خارج إطار الدولة.