الاول نيوز – صلاح ابو هنّود – مخرج وكاتب
لم تعد عمّان كما كانت. لا لأن الزمن مرّ فقط، فذلك قدر المدن جميعًا، بل لأن شيئًا جوهريًا انكسر في العلاقة الصامتة بين المكان وسكّانه. كان الماء، أبسط الرموز وأكثرها بداهة، شاهدًا على هذه العلاقة. ماءٌ عذبٌ كان يصل البيوت بلا مواعيد ولا قلق، لا يطرق الأبواب بوصفه ضيفًا نادرًا، ولا يُستقبل بالخزّانات والانتظار. كان حقًا طبيعيًا، مثل الهواء، مثل الضوء.
نقول اليوم: رحم الله تلك الأيام والسنين التي شربنا فيها ماء عمّان دون أن نفكّر في موعد انقطاعه. لم نكن نحسب ساعات الضخ ولا نخطّط للاستحمام أو الغسيل أو الحياة وفق رزنامة الماء. كان الليل ليلًا، والنهار نهارًا، ولم يكن العطش فكرة مقيمة في الوعي الجمعي. أما الآن، فقد صار الماء حدثًا، والانقطاع نظامًا، والانتظار أسلوب حياة. ينقطع الماء أسابيع، حتى في فصل الشتاء، حين يفترض أن تكون السماء شريكة الأرض في العطاء.
لكن المسألة أعمق من أن تكون أزمة مياه فقط. ما يحدث هو تغيّر في معنى المدينة نفسها. المدينة ليست إسفلتًا وأبنية وإشارات ضوئية، بل شبكة خفية من الطمأنينة اليومية. حين تختل هذه الشبكة، تبدأ المدينة بفقدان روحها. عمّان التي كانت تُشبه بيتًا واسعًا، صارت تشبه ممرًا ضيقًا، يمرّ فيه الناس على عجل وهم يحملون قلقهم معهم.
كبرت عمّان بسرعة، أسرع من قدرتها على الاحتمال. تمددت أفقيًا وعموديًا،. تضاعف عدد السكان، تغيّرت أنماط العيش، ولم تتغير الأسئلة الجوهرية: كيف نؤمّن الحياة الكريمة؟ كيف نحمي الموارد؟ وكيف نحافظ على العدالة بين من يملكون القدرة على التخزين والشراء، ومن لا يملكون إلا الصبر؟
في أحياء كثيرة، صار الماء امتيازًا لا حقًا. من يملك المال يشتري الصهريج، ومن لا يملك ينتظر. وهنا تتحول الأزمة من تقنية إلى أخلاقية. فالماء، حين يغيب، يكشف هشاشة العدالة الاجتماعية أكثر مما يكشف ضعف الشبكات. يكشف أن المدينة لم تعد تتعامل مع سكّانها على قدم المساواة، وأن الفقر لم يعد نقصًا في الدخل فقط، بل نقصًا في الوصول إلى الضروري للحياة. هو
عمّان لم تعد كما كانت، لأن الإحساس بالأمان اليومي تراجع. ليس الماء وحده، بل الكهرباء، والغلاء، وضيق العيش، وتآكل الطبقة الوسطى. كلها مؤشرات على مدينة تتعب، وعلى مجتمع يُطلب منه أن يتكيّف دائمًا، دون أن يُسأل إلى متى.
ومع ذلك، لا يكتب هذا الكلام من باب الحنين فقط. الحنين وحده لا يبني حلولًا. ما نحتاجه هو اعتراف صريح بأن الأزمات لم تعد طارئة، بل بنيوية، وأن إدارة المدينة بعقلية الأمس لم تعد ممكنة. نحتاج إلى سياسات مائية جريئة، شفافة، عادلة، وإلى خطاب صادق يقول للناس الحقيقة كاملة، لا أن يتركهم يتلقّونها عبر صنبورٍ جاف.
عمّان تستحق أن تعود مدينة يحلو بها العيش، لا مدينة يُدار فيها اليوم بالمؤقّت. تستحق أن يشعر أهلها أن الماء سيصل لأن هذا حقهم، لا لأنهم أحسنوا الانتظار. وربما، حين يعود الماء بلا خوف، تعود معه أشياء كثيرة غابت: الطمأنينة، والثقة، والإحساس بأن هذه المدينة ما زالت بيتًا، لا عبئًا يوميًا يُحتمل بصمت.