الإسراء والمعراج… حين يكرّم الله الإنسان في ذروة الانكسار

الدكتور احمد ناصر الطهاروة – الأول نيوز –
ليست حادثة الإسراء والمعراج مجرد واقعة إعجازية خارقة لقوانين الزمن والمكان، تُستحضر في الذاكرة الدينية للتبرك أو السرد، بل هي في جوهرها نقطة تحوّل كبرى في بناء الوعي الإسلامي، ورسالة عميقة تتجاوز سياقها التاريخي لتخاطب الإنسان في كل زمان ومكان.

وقعت هذه الحادثة المفصلية في أحلك مراحل الدعوة، بعد عام الحزن، حين فقد النبي محمد صلى الله عليه وسلم سنديه الأكبرين: خديجة رضي الله عنها، وأبا طالب، واشتد الأذى، وانغلقت أبواب الأرض في وجه الرسالة. وهنا تتجلى الحكمة الأولى: أن التكريم الإلهي لا يُشترط له النصر الدنيوي، بل الصدق والصبر. فحين ضاقت الأرض، فُتحت السماء.

الإسراء والمعراج لم يكونا هروبًا من الواقع، بل إعادة شحن روحي قبل العودة إلى قلب المعركة. فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم عُرج به إلى السماوات العلا، ثم عاد ليواصل حمل الرسالة بأعبائها وتحدياتها. وهذه دلالة بالغة: الإيمان الحقيقي لا يعزل الإنسان عن واقعه، بل يمنحه القدرة على مواجهته بثبات واتزان.

ومن بين أعظم دلالات هذه الحادثة، فرض الصلاة. لم تُفرض الصلاة في الأرض، ولم تُنزل بواسطة مَلَك، بل فُرضت في السماء، في أعلى مقام وصل إليه بشر. وفي رأيي، هذه رسالة قاطعة بأن الصلاة ليست طقسًا شكليًا، بل صلة إنقاذ يومية، تحفظ توازن الإنسان بين ضغط الواقع ونقاء الروح. خمس صلوات بأجر خمسين، في معادلة تجمع بين التكليف والرحمة، وتؤكد أن هذا الدين بُني على اليسر لا على المشقة.

أما اختيار المسجد الأقصى محطةً للإسراء، فليس تفصيلًا عابرًا ولا صدفة تاريخية. القدس هنا في قلب العقيدة، لا في هامش السياسة. ومن يظن أن الصراع عليها مجرد نزاع جغرافي، يغفل عن بعدها الروحي العميق. فالأقصى هو بوابة السماء، ورمز وحدة الرسالات، وشاهد حيّ على ارتباط الأرض بالعقيدة. وأي تفريط به هو تفريط بجزء من الوعي الديني للأمة.

كما شكّلت حادثة الإسراء والمعراج امتحانًا صريحًا للإيمان. فالعقول المحدودة بقوانين المادة ترددت، بينما ثبت الصادقون. وهذا يرسّخ حقيقة أن العقل في الإسلام أداة فهم لا قيد إنكار، وأن الإيمان لا يتناقض مع العقل، لكنه يسمو به حين يعجز عن إدراك الغيب.

تحمل هذه الحادثة رسالة معاصرة بالغة الأهمية: أن اليأس ليس قدرًا، وأن الانكسار ليس نهاية الطريق، وأن من يتصل بالله حقًا، لا تهزمه قسوة الواقع. فالإسراء والمعراج ليسا ذكرى تُستعاد، بل منهج يُستحضر، يعيد ترتيب الأولويات، ويؤكد أن بعد كل ظلام نورًا، وبعد كل ضيق أفقًا أوسع.

إننا اليوم، في زمن مثقل بالأزمات والانقسامات، أحوج ما نكون إلى استلهام روح الإسراء والمعراج: روح الثبات، والتوازن، والثقة بالله، والعمل في الأرض دون الانفصال عن السماء.

عن Alaa

شاهد أيضاً

القرار الخارجي والضبط الداخلي..ملف “الاخوان”

الدكتور أحمد ناصر الطهاروة – الأول نيوز – أعاد القرار الأمريكي الأخير المتعلق بتصنيف جماعة …