الدكتور احمد ناصر الطهاروة – الأول نيوز –
نعيش اليوم لحظة مفصلية في التاريخ العالمي، لحظة انكشاف الوهم الكبير الذي حكم الوعي الإنساني لقرون طويلة، ومفاده أن أوروبا هي مركز التاريخ والعقل، وأن ما عداها ليس سوى أطراف هامشية بلا قدرة على إنتاج المعنى أو الفعل الحضاري.
هذا الوهم لم يكن نتاج تفوق أخلاقي أو إنساني حقيقي، بقدر ما كان بناءً فكريًا أيديولوجيًا متعمدًا، صاغته فلسفات إقصائية، ثم فُرض بالقوة العسكرية والاقتصادية، قبل أن يتحول، بفعل التكرار والقهر، إلى “حقيقة” كونية زائفة.
منذ القرن الثامن عشر، شرعت الفلسفة الأوروبية في إعادة رسم خريطة العالم معرفيًا، لا على أساس الكونية الإنسانية، بل وفق تراتبية صارمة تضع أوروبا في القمة، وما عداها في مراتب أدنى.
ففي كتاباته الأنثروبولوجية، لم يتعامل إيمانويل كانط مع “الإنسان” بوصفه مفهومًا كونيًا، بل انخرط في تصنيفات أخلاقية وعقلية منحت الأوروبي امتياز العقل والتمدّن، وجرّدت غيره من الأهلية الكاملة للعقل. وهكذا تحوّل العقل من أداة تحرّر إنساني إلى حدٍّ جغرافي وامتياز حضاري.
ثم جاء هيغل ليمنح هذا الإقصاء شرعيته الفلسفية الأكثر فجاجة، حين أعلن في محاضراته حول فلسفة التاريخ أن إفريقيا “خارج التاريخ”، وأنها بلا حركة أو تطور.
بهذا الحكم، لم تُقصَ قارة بأكملها من السردية الإنسانية فحسب، بل جرى احتكار الزمن ذاته، وكأن التاريخ لا يتحرك إلا حين تطأه القدم الأوروبية.
لم تكن الهيمنة الأوروبية مجرد توسع عسكري أو نهب اقتصادي، بل كانت، في جوهرها، مشروعًا معرفيًا شاملًا لإعادة تعريف العالم.
كما يبين ميشيل فوكو، فإن المعرفة ليست بريئة ولا محايدة؛ إنها أداة سلطة، تمهّد للسيطرة قبل أن تمارسها بالقوة.
أوروبا لم تكتب عن “الآخر” بهدف فهمه، بل لإعادة إنتاجه ككائن ناقص، يحتاج إلى الوصاية والإدارة. فأعادت تعريف التاريخ من زاويتها، وصنّفت الشعوب وفق قربها أو بعدها عن النموذج الأوروبي، وحددت ما يُعد عقلانيًا وما يُوصم بالبدائية.
وفي هذا السياق، يفضح إدوارد سعيد، في كتابه “الاستشراق”، الكيفية التي جرى فيها تصوير الشرق والعالم العربي بوصفه جامدًا، عاطفيًا، عاجزًا عن حكم ذاته، ومحتاجًا دائمًا إلى تدخل خارجي، وخير مثال على ذلك خيانتهم للثورة العربية الكبرى التي سعت إلى توحيد العرب ونهضتهم.
لم يكن الاستشراق جهلًا بالشرق، بل معرفة منحازة، صُمّمت بعناية لتبرير الهيمنة وإدامتها.
إن الواقع العربي المأزوم لا يمكن فهمه خارج سياقه الاستعماري.
فهو ليس فشلًا ذاتيًا، ولا نتاج نقص ثقافي أو ديني، بل نتيجة مباشرة لبنية عالمية صاغتها أوروبا بما يخدم مصالحها.
كما يوضح المفكر الراحل سمير أمين، فإن التخلف في الأطراف ليس حالة طبيعية، بل نتيجة بنيوية لتوسع الرأسمالية الأوروبية التي دمّرت الاقتصادات المحلية، وحوّلت المجتمعات إلى أسواق تابعة، ومنعت تشكّل مسارات تنمية مستقلة.
لم تقتصر آثار الاستعمار على تقسيم الأرض، بل امتدت إلى كسر الوعي التاريخي، وقطع الاستمرارية الحضارية، قبل أن يُحمَّل الضحية مسؤولية الدمار في انقلاب أخلاقي صارخ.
ما نشهده اليوم ليس انتصارًا أخلاقيًا للعالم، بقدر ما هو انكشاف لفراغ المركز الأوروبي.
أوروبا التي ادّعت الكونية لم تعد قادرة على إنتاج معنى جامع، ولا على فرض قيمها خارج حدودها، ولا حتى على إدارة تناقضاتها الداخلية.
فالسلوك الأمريكي في السنوات الأخيرة، خاصة في عهد دونالد ترامب، كشف بوضوح هشاشة العلاقة “التحالفية”، حين جرى التعامل مع أوروبا بوصفها تابعًا سياسيًا واقتصاديًا، لا شريكًا متكافئًا.
ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتعمّق هذا الانكشاف، حيث بدت أوروبا ساحة صراع أكثر منها فاعلًا، تدفع أثمانًا اقتصادية وطاقوية واجتماعية، بينما القرار الاستراتيجي ظل خارجها.
وفي المقابل، يبرز الصعود الصيني كدليل قاطع على انهيار احتكار المركز.
الصين، التي قُدّمت طويلًا بوصفها “تلميذًا” في النظام العالمي، تحولت إلى مركز اقتصادي وتكنولوجي، بينما وجدت أوروبا نفسها تفاوض، وتستجدي الشراكات، وتبحث عن مخارج لأزماتها.
نحو نهاية الاحتكار الأوروبي للتاريخ
بهذا المعنى، لم تكن أوروبا مركزًا بحكم الواقع، بل بحكم التعريف.
ومن يملك تعريف التاريخ، يملك سلطة إخراج الآخرين منه.
اليوم، ومع تفكك هذا الاحتكار، تتهاوى السردية التي بنتها أوروبا عن ذاتها عبر قرون من الاستغلال والتدمير.
الفقر والتخلف والمرض لم تكن يومًا دليلًا على همجية الشعوب العربية والإفريقية، بل شواهد على عنف المشروع الاستعماري ذاته.
ومع أفول هذا المركز، ينفتح أفق جديد:
أفق استعادة التاريخ، لا بوصفه امتيازًا أوروبيًا، بل بوصفه ملكًا مشتركًا للإنسانية، تُسهم في كتابته كل الحضارات، بلا وصاية ولا تراتبية.