رسالة ملكية تقرأ حروب العصر

الدكتور احمد ناصر الطهاروة – الأول نيوز –

في توقيت إقليمي ودولي شديد الاضطراب، جاءت رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة بوصفها وثيقة سيادية استراتيجية. رسالة تعكس قراءة عميقة لطبيعة الحروب المعاصرة، وتضع القوات المسلحة الأردنية أمام استحقاق التحول البنيوي المدروس، استنادًا إلى دروس الميدان لا تنظيرات المكاتب.
ما يجري في غزة قدم نموذجًا صارخًا لانهيار وهم الحسم السريع بالقوة النارية وحدها. فجيش متفوق تقنيًا وجد نفسه عاجزًا عن إنهاء معركة أمام فاعل غير دولتي يجيد القتال اللامتماثل، ويُحسن توظيف الأرض، والأنفاق، واللامركزية، وإدارة الموارد. الدرس الأهم أن التفوق لم يعد في الحجم، بل في النوعية والمرونة والقدرة على القتال في بيئات حضرية معقدة، وهو ما يفسر تركيز الرسالة الملكية على بناء قوات رشيقة عالية الجاهزية.
أما حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران، فقد كشفت ملامح حرب المستقبل: ضربات دقيقة، مسيرات، صواريخ بعيدة المدى، وحرب سيبرانية موازية. لم تكن حرب احتلال، بل حرب استهداف مراكز ثقل ومنظومات قيادة وسيطرة. في هذا السياق، يصبح تأكيد جلالة الملك على منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات الآمنة، وتطوير القدرات السيبرانية الدفاعية والهجومية، توجيهًا استباقيًا لا يحتمل التأجيل.
وفي أوروبا، عرّت الحرب الروسية الأوكرانية هشاشة مفاهيم “الحرب الخاطفة”، وأعادت الاعتبار لحروب الاستنزاف الطويلة. كما كشفت أهمية المخزون الاستراتيجي، والصناعات الدفاعية الوطنية، وسلاسل الإمداد واللوجستيات. دول كبرى امتلكت السلاح، لكنها افتقرت إلى القدرة على استدامته. ومن هنا تأتي دلالة التوجيه الملكي بإعادة بناء دور المركز الأردني للتصميم والتطوير ليكون نواة بحث وتصنيع دفاعي وطني.
اللافت في الرسالة الملكية أنها لا تفصل الأمن العسكري عن بقية منظومة الدولة، بل تربط الجيش بالأمن العام وحرس الحدود والاحتياط، وتربط القوة العسكرية بالحوكمة والاقتصاد الدفاعي. هذه رؤية أمن وطني شاملة، تدرك أن الحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالإدارة، والتكنولوجيا، والقرار الرشيد.
وتأتي أهمية هذه الرسالة أيضًا من كونها تُعيد الاعتبار للعقيدة القتالية الواضحة، البسيطة، القابلة للتطبيق، بعيدًا عن التعقيد النظري. فالتجارب الحديثة أثبتت أن الجيوش التي تُفرط في التنظير وتُهمل التدريب الواقعي، تُفاجأ في أول اختبار حقيقي. لذلك، فإن التركيز الملكي على تطوير التدريب والتسليح بما يخدم الخطط التعبوية، يعكس فهمًا عمليًا لطبيعة المواجهات القادمة.
كما أن الدعوة إلى بناء تفوق نوعي في مجال أو أكثر، بدل السعي إلى تفوق شامل مستحيل الكلفة، تمثل مقاربة ذكية تتناسب مع قدرات الدولة ومواردها. التفوق النوعي، حين يُحسن اختياره، يصنع الردع ويمنح القرار السياسي هامش مناورة أوسع.
في المحصلة، هذه الرسالة ليست موجهة للمؤسسة العسكرية وحدها، بل للرأي العام وصانع القرار معًا. إنها تؤكد أن أمن الأردن لا يُدار بردود الفعل، بل بالتخطيط الاستباقي، وأن الحفاظ على الاستقرار يتطلب جيشًا يسبق التهديد بخطوة، لا يلاحقه بعد وقوعه. بهذا المعنى، تشكل الرسالة خارطة طريق لحماية الدولة، لا مجرد برنامج تطوير عسكري. وهي رسالة ثقة بالمؤسسة العسكرية، وتجديد لعقد الاحتراف، والانضباط، والجاهزية الدائمة في مواجهة عالم شديد التقلب والتعقيد.

عن Alaa

شاهد أيضاً

العقلُ… والثوب!

فاطمة ناعوت –   الأول نيوز – حين تستعيرُ جاكيت صديقك، أو تستعيرين فستانَ صديقتك …