الدكتور محمود المساد – الأول نيوز –
ويبقى ما لم يكتَب عمّا يدور في أروقة الجامعة العربية أكبر، وأهم مما كتِب..فالتجربة أوسع، وأعمق من أن تحاط كلها بنص!!
بقلم: الدكتور محمود المساد
لقد تعرفت على الدكتورة هيفاء في أثناء العمل بوزارة التربية والتعليم عندما كانت الوزارة في عصرها الذهبي، فكانت سيدة حادة الذكاء، وازنة، وهادئة، وجميلة، تقول وتفعل، تعلمت منها وعنها الكثير. لكنني لم أقترب منها كثيرا؛ لكثرة من يحيط بها من جهة، ولأن طموحها آنذاك لا تحيط به وزارة، ولا تحد من نفاذه جدران، حيث عبَرت بسرعة البرق إلى الوزارة، وبعدها إلى جامعة الدول العربية.
هذه نبوءتي لها، ولمستقبلها، وأثرها حيث تعمل، فقد وجدت أمين عام جامعة الدول العربية يُركّز في حفل إشهار الكتاب على ذات الخصائص، والسمات الشخصية وهو يتحدث عنها وعن عملها، وعن كفاءتها، وأثرها فيما كانت تقوم به من أعمال طيلة فترة خدمتها التي تربو على اثنتي عشرة سنة في الجامعة.
أعرف أن تأسيس جامعة الدول العربية سبق تأسيس هيئة الأمم المتحدة!! وأنها تشبه في هيكلها الاتحاد الأوروبي، لكن في نظامها، وأهدافها لا تعدو كونها جامعة لجميع الدول العربية بوصفها تكتلاً قوميّا، يستند إلى جميع العوامل الممكنة المشتركة التي من المفترض أن ترتفع بسقف وحدتها، وطموحاتها المشتركة، لكن للأسف – وهذا ما أكده أمين عام الجامعة في كلمته – فهي جامعة بأهداف محدودة فقط، ويقتصر عملها على التنسيق بين مواقف الدول العربية، إذ ليس لها صفة الإلزام في قراراتها ومواقفها. في حين تقول الدكتورة هيفاء في كتابها: إن الجامعة بإمكاناتها، وأعمالها تجاوزت دورها المرسوم من أجل أن تبني، وترفع من صلابة الفكرة العربية في وجه زمن سريع ومتقلب. فقد كانت الجامعة عبر رحلة الدكتورة بين أروقتها تصنع المعنى تحت الضغط، وتفاوض مع الواقع، وتركض خلف الدقة ، وتصرّ على أن تبقى المؤسسة الأكبر من اللحظة، وأوسع من العنوان!!
إن آليات العمل خير شاهد على أن اللقاءات، والأوراق، والسيناريوهات الطموحة التي تُعدّ بكفاءة عالية من أجل أن تُعرض في اجتماعاتها، ومؤتمراتها المتتابعة، تتقزم بما تنتهي إليه من صور تذكارية، وولائم أنيقة فاخرة، وتمرير لقرارات مهمّة بلا تنفيذ، وبلا جدوى أو متابعة، على الرغم من الإنفاق التشغيلي الذي لا يوازيه توسع في الخدمة العامة.
وبعد كل ما عرضته الدكتورة مما يدور في أروقة الجامعة، غثّا كان أو سمينا، توقفت عند حالة الصراحة والجدية التي بدت جلية في إجابتها على السؤال الذي طرحته على نفسها: هل نحن بحاجة إلى المنظمات العربية المتخصصة؟ فأجابت: نعم، لكن بشرط إذا كانت بيوت خبرة تنتج قيمة، وتحاسب عليها، وبغير ذلك تبقى مزارع خاصة، وامتيازات مغلقة. وعمليا والكلام للدكتورة نحن في حاجة ملحّة إلى:
_أمين عام يعلن عهد النتائج. _مجلسين اثنين يربطان الميزانية بالأثر.
_ أمانة عامة تدير الشبكات بصرامة وإنسانية، ومسؤولية.
_ منظمات تثبت يوماً بعد يوم. أنها الأدوات الفاعلة الذكية لصناعة المستقبل العربي الذي لا يعتذر عن طموحه.
حينها لن نسأل إن كنّا بحاجة إليها، بل سنشعر بها في جودة السياسات، وفي سرعة القرارات وصوابها، وفي كرامة الخدمات التي تليق بكرامة الشعوب العربية.
شكرًا لك دكتورة هيفاء، لقد قدمت للجامعة، والعرب ما يحتاجون إليه في هذه الظروف العصيبة!!