الاول نيوز – نفّذ مركز وعي للتدريب في حقوق الإنسان، بالتعاون مع شبكة مناهضة العنف الرقمي ضد الصحفيات في الأردن، وبدعم من المعهد الدنماركي لحقوق الإنسان، تدريبًا متخصصًا حول “العنف الرقمي وآليات وسبل السلامة الرقمية للصحفيين/ات”، استمر على مدار يومين في العاصمة عمّان.
واستهدف التدريب صحفيين وصحفيات من مختلف المحافظات العاملين في وسائل إعلام محلية ومنصات رقمية ومجتمعية، إلى جانب مشاركة ممثلين وممثلات عن جهات حكومية ذات صلة، في إطار مقاربة تشاركية هدفت إلى تعزيز الفهم المشترك للعنف الرقمي، وتطوير استجابات مهنية ومؤسسية أكثر فاعلية تراعي حماية الحقوق وحرية التعبير.
وجاء هذا التدريب في ظل تصاعد أنماط العنف الرقمي التي تستهدف العاملين والعاملات في المجال الإعلامي، لا سيما الصحفيات، بما يشمل التشهير، والتهديد، والابتزاز الإلكتروني، وسرقة الحسابات، وخطاب الكراهية، وهي ممارسات لا تؤدي فقط إلى أذى فردي، بل تترك أثرًا مباشرًا على سلامة العمل الصحفي، وحرية الرأي والتعبير، وحضور النساء في الفضاء العام الرقمي.
وهدف التدريب إلى تعزيز قدرات المشاركين والمشاركات في مجال السلامة الرقمية من خلال مقاربة شمولية تربط بين البعد الحقوقي والقانوني والجانب التقني العملي، مع التأكيد على فهم العنف الرقمي بوصفه أحد أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، وما يرافقه من تحديات قانونية ومؤسسية معقّدة في السياق الأردني.
وركّز اليوم الأول من التدريب على الإطار المفاهيمي والمهني والقانوني، حيث تناولت الجلسات مفهوم السلامة الرقمية في العمل الصحفي، والعنف الرقمي المبني على النوع الاجتماعي وأنماطه وأسبابه، إضافة إلى مناقشة دور المؤسسات الإعلامية والجهات الرسمية في الوقاية من العنف الرقمي ومسؤولياتها القانونية والأخلاقية. كما خُصصت جلسة قانونية معمّقة لعرض وتحليل الإطار التشريعي الأردني الناظم للنشر والعمل الصحفي الرقمي، بما في ذلك قانون الجرائم الإلكترونية وتعديلاته، ومناقشة التحديات المرتبطة بتفسير النصوص القانونية، والحدود الفاصلة بين النقد المشروع والفعل المجرّم، وأثر ذلك على الصحفيين/ات.
أما اليوم الثاني، فقد ركّز على الجانب العملي التطبيقي للسلامة الرقمية، من خلال جلسات متخصصة حول إدارة كلمات المرور وتفعيل المصادقة الثنائية، وتأمين الحسابات الشخصية والمهنية، وأمان الأجهزة والهواتف، والتعامل مع الهندسة الاجتماعية ومحاولات التصيد الاحتيالي. كما تدرب المشاركون والمشاركات على آليات توثيق الأدلة الرقمية وحفظها بطريقة آمنة تحافظ على الخصوصية، وتضمن قابلية استخدام هذه الأدلة ضمن المسارات القانونية أو المؤسسية لاحقًا.
وإلى جانب المحتوى التدريبي، وفّر البرنامج مساحة حوار تفاعلية جمعت الصحفيين/ات مع ممثلي الجهات الحكومية، جرى خلالها نقاش التحديات العملية المرتبطة بالعنف الرقمي، وآليات تطبيق القوانين ذات الصلة، وأهمية التنسيق بين الإعلام والمؤسسات الرسمية بما يعزّز الحماية الرقمية دون المساس بحرية العمل الصحفي.
وفي هذا السياق، أكدت تغريد الدغمي، مؤسسة مركز وعي للتدريب في حقوق الإنسان، أن “التعامل مع العنف الرقمي يتطلّب فهمًا دقيقًا للسياق القانوني الناظم للعمل الصحفي والفضاء الرقمي، خاصة في ظل التعديلات التشريعية المتسارعة”. وأضافت أن “غياب الوعي القانوني لدى الصحفيين والصحفيات قد يحوّل القانون من أداة حماية إلى مصدر تهديد، ما يجعل هذا النوع من التدريبات ضروريًا لتمكينهم من معرفة حقوقهم، وحدود مسؤولياتهم، وكيفية التصرّف القانوني السليم عند التعرّض لانتهاكات رقمية”.
من جهتها، أكدت رانيا الصرايرة، مؤسسة ومنسقة شبكة مناهضة العنف الرقمي ضد الصحفيات في الأردن، أن هذا التدريب يندرج ضمن جهود الشبكة المستمرة لبناء بيئة إعلامية رقمية أكثر أمانًا، مشددة على أن “تعزيز السلامة الرقمية لا يقتصر على الجانب التقني، بل يشمل بناء وعي حقوقي، وتطوير سياسات مؤسسية، وتعزيز الشراكة بين الصحفيين والمؤسسات الإعلامية والجهات الرسمية لمواجهة العنف الرقمي كمشكلة عامة وليست شأنًا فرديًا”.
واختُتم التدريب بجلسة تقييم وحوار مفتوح، خلصت إلى مجموعة من التوصيات، أبرزها ضرورة إدماج السلامة الرقمية ضمن السياسات الداخلية للمؤسسات الإعلامية، وتوسيع برامج الدعم القانوني والنفسي للصحفيين/ات، وتطوير آليات استجابة مؤسسية واضحة للتعامل مع حالات العنف الرقمي، إلى جانب تعزيز التعاون بين المجتمع المدني والجهات الحكومية ذات العلاقة.
يُذكر أن مركز وعي للتدريب في حقوق الإنسان يعمل بالشراكة مع مؤسسات وطنية ودولية على تطوير قدرات العاملين والعاملات في الإعلام والمجال العام، فيما تواصل شبكة مناهضة العنف الرقمي ضد الصحفيات في الأردن عملها منذ تأسيسها عام 2022 على توفير التدريب، والدعم القانوني والنفسي، والمناصرة من أجل سياسات وتشريعات تحمي العاملين والعاملات في الإعلام من جميع أشكال العنف الرقمي.
وكان مركز وعي للتدريب في حقوق الإنسان أطلق مؤخرا شبكة “المحاميات لمواجهة العنف الرقمي ضد النساء”، والتي تهدف إلى التصدي للعنف الرقمي الموجّه ضد النساء باستخدام التكنولوجيا، من خلال تعزيز قدرات المحاميات في مجالي السلامة الرقمية والأمان الرقمي، وتوفير الدعم اللازم لهن، بما يمكّنهن من الدفاع عن حقوق النساء.
وقالت الدغمي، إن الشبكة ستبدأ بتعزيز وتمكين عضواتها في مجال الأمان الرقمي ومواجهة العنف الرقمي، ونشر الوعي، بحيث يصبحن مؤهلات لاحقًا لتدريب النساء في مناطقهن والدفاع عنهن، ما يسهم في خلق بيئة عمل آمنة للمحاميات والنساء على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. مشيرة إلى أن عضوية الشبكة مفتوحة لجميع المحاميات من مختلف محافظات المملكة.
وأكدت الدغمي أهمية دور المحامية في مناهضة العنف الرقمي ضد النساء، من خلال تقديم الدعم القانوني للمتضررات، وتمثيلهن أمام الجهات المختصة والمحاكم، ونشر الوعي القانوني حول هذا النوع من العنف، وكيفية التعامل معه، والحماية من التهديدات الرقمية، مثل سرقة الحسابات، وإنشاء حسابات وهمية، وتركيب صور مهينة، والتنمّر، والإساءة اللفظية، وغيرها من أشكال العنف الرقمي.