مسودة قانون الإدارة المحلية: بين التعديل التشريعي والاختبار الديمقراطي

الدكتور أحمد ناصر الطهاروة – الأول نيوز –

 

يتصدّر مشروع قانون الإدارة المحلية المشهد التشريعي في الأردن كأحد أهم المشاريع القانونية التي تؤثر مباشرة على علاقة المواطن بدولة المؤسسات، وعلى آليات صنع القرار في المحافظات والبلديات. لا يتعلق الأمر فقط بنصوص تنظيمية، بل في جوهره اختبار حقيقي لمدى الالتزام بإصلاح إداري ديمقراطي، لا استمرار اللامركزية الشكلية التي لم تصمد أمام تعقيدات التطبيق.

الحاجة إلى قانون جديد أصبحت واضحة بعد سنوات من العمل بقانون الإدارة المحلية السابق الذي أظهر محدودية الصلاحيات، وتعسّر تطبيق اللامركزية، وتداخل اختصاصات بين البلديات، المحافظات، والسلطة التنفيذية المركزية. لكن هل المسودة الحديثة تعالج هذه الإشكاليات حقًا؟ أم أنها تقرّع باب التغيير بشعارات أعمق من مضمونها؟

أول ما يلفت في الاتجاهات العامة للمسودة، وفق ما تداولته مصادر رسمية وإعلامية، هو الفصل بين المجلس البلدي كهيئة سياسية تمثيلية، والإدارة التنفيذية كجهة تنفيذ فعليّة. هذه الخطوة تحمل معنى قانونيًا مهمًا، إذ تعيد تعريف الأدوار بوضوح: المجلس يُحدّد الاتجاهات، المدير التنفيذي يُنفّذ، وتُحسم بذلك مسؤولية الأداء أمام المواطن والقضاء.

لكن الفاعلية القانونية لهذا الفصل تتوقف على ثلاث قواعد أساسية:

أولاً: آلية اختيار المدير التنفيذي ومدة ولايته وشروط عزله قانونيًا. إن كانت هذه الآليات لا تُحترم إرادة المجلس المنتخب، فإن الفصل يتحوّل إلى فصل شكلي لا جوهري، ويصبح المدير التنفيذي امتدادًا إداريًا للمركز، لا شريكًا في خدمة المجتمع المحلي.

ثانيًا: آليات التحكم المالي والموازنة. إذا ظلّت صلاحيات إعداد الموازنة، مراجعتها، أو إقرارها مرتبطة بموافقة مركزية مسبقة، فإن المجلس لن يكون قادرًا على اتخاذ قرارات تنفيذية مستقلة، وسيظل عالقًا بين طموح الصلاحيات وقيود الوساطة المركزية.

ثالثًا: الرقابة والمساءلة. القانون الجيد يجب أن يوازن بين منح الصلاحيات وفرض الرقابة اللاحقة، وليس السابقة. الرقابة المسبقة تقوّض استقلال القرار المحلي وتُعيدنا إلى منطق المركزية، بينما الرقابة اللاحقة تُمكّن المواطن والقضاء من مساءلة الجهات المحلية إذا ما وقع خلل في التنفيذ.

الاتجاه الثاني المتداول في المسودة يتعلق بـ انتخاب رؤساء البلديات عبر اقتراع منفصل عن أعضاء المجلس. هذه الفكرة، في ظاهرها ديمقراطية، لكنها في المضمون تطرح أسئلة قانونية موضوعية:

ما العلاقة بين الرئيس المنتخب مباشرة والأغلبية في المجلس؟

هل يوجد آلية لحل النزاعات بين الرئيس والمجلس؟

ما إذا كانت صلاحيات الرئيس محددة بنص قانوني واضح أو تظل قابلة للتوسّع الإداري؟

إذا لم تُحسم هذه النقاط بوضوح تشريعي، فإن الانتخاب المباشر قد يُنتج “ازدواجية تفويض” تعيق اتخاذ القرار وتؤدي إلى شلل في العمل المحلي.

على صعيد أوسع، يثير المشروع أيضًا نقاشًا حول مجالس المحافظات، ومدى استمرار انتخابها أو تعديل دورها، وهو موضوع يحتاج إلى رؤية متوازنة تحافظ على التمثيل المحلي دون أن يكون عبئًا على منظومة اتخاذ القرار. الحفاظ على المجالس الانتخابية في المحافظات يعني تعزيز المشاركة السياسية، بينما إلغاؤها نهائيًا قد يُضعف القاعدة الديمقراطية على مستوى المحافظات ويترك القرار مع التركيز في أروقة المركز.

القانون الجيد ليس مجرد تجميع للصفحات، ولا ترميز للمصطلحات، بل هيكلة واضحة للسلطة والمسؤولية والمساءلة. وهو بحاجة لأن يكون ملزمًا للجميع: المواطن، المجلس، الإدارة التنفيذية، والسلطة المركزية. إن كانت الصياغة القانونية تترك فراغات جوهرية، فإنها ستفتح الباب واسعًا للطعن الإداري، ونزاعات في الاختصاص، بل وربما تعطيل للمشاريع التنموية المحلية.

في المحصلة، يستطيع مشروع قانون الإدارة المحلية أن يكون خطوة حقيقية نحو لامركزية مؤسسية، إذا تضمن نصوصًا واضحة في التوزيع الوظيفي، الاستقلال المالي، وضوابط للمساءلة والرقابة. أما إذا ظل مشروعًا يتأرجح بين الإرادة المركزية والاملاءات الشكلية، فإنه لن يكون أكثر من نسخة مُعدّلة من القانون السابق، يستبدل الاسم ويُبقي المضمون.

القضية هنا ليست فقط تشريعًا جديدًا، بل تحولًا دستوريًا وإداريًا يلزم أن يُبنى على قواعد قانونية مستقرة تقود إلى خدمة المواطن وتحترم إرادته.

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المخدرات خربت عقول أبنائنا

الاول نيوز – شفيق عبیدات –   كان يوما مفجعا ومروعاً وحزينا يوم أصبحنا على …