الاول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب
ليست الفضيحة في أن تُرتكب الجرائم، فالتاريخ البشري مليء بها، بل الفضيحة أن تُرتكب باسم الفضيلة. وما يتكشّف تباعًا من وثائق أمريكية في هذه السنوات ليس مجرد أخبار عابرة، بل صفحات ثقيلة من كتابٍ حاولوا إخفاءه طويلًا تحت عناوين برّاقة: الديمقراطية، الحرية، الحلم الأمريكي، حماية العالم الحر.
تكشف الأوراق ما كان كثيرون يشكّون به ولا يملكون دليله: قرارات حروب صُنعت على موائد السياسة لا على منصّات العدالة، أنظمة أُسقطت لأن مصالح الشركات اقتضت ذلك، شعوب دُفعت إلى الفوضى باسم إنقاذها، وملايين البشر تحوّلوا إلى أرقام في تقارير سرّية. الوثائق تقول ببرودٍ قاسٍ ما كان الإعلام يغطّيه بالضجيج: الحقيقة لم تكن يومًا الهدف، بل السيطرة.
المرارة ليست فقط في حجم ما كُشف، بل في حجم ما صُدّق. أجيال كاملة تربّت على أن هناك نموذجًا أخلاقيًا يقود العالم، فإذا بهذا النموذج يتعرّى ورقةً بعد أخرى. التنصّت على الحلفاء، التلاعب بالرأي العام، اختلاق الذرائع، تمويل الصراعات، دعم الطغاة ثم التخلّص منهم عند انتهاء الصلاحية… كل ذلك لم يكن “نظريات مؤامرة”، بل سياسات موثّقة بختم رسمي.
والمؤلم أكثر أن هذه الانكشافات لا تُحدث الصدمة التي تستحقها. كأن العالم اعتاد الكذب حتى فقد القدرة على الدهشة. تمرّ الوثائق كما تمرّ نشرات الطقس: خبرًا وراء خبر، دون محاسبة حقيقية، ودون اعتذار أخلاقي، ودون اعتراف بأن ما جرى كان انتهاكًا منظمًا لكرامة الإنسان.
إنها حضارة أتقنت صناعة الصورة أكثر مما أتقنت صناعة القيم. رفعت شعارات حقوق الإنسان، وفي الأقبية كانت تُدار غرف التعذيب. بشّرت بالديمقراطية، وفي الظل كانت تُدار الانقلابات. تحدّثت عن القانون الدولي، لكنها تعاملت معه كقميصٍ يُلبس عند الحاجة ويُخلع عند اللزوم.
ما تكشفه الوثائق اليوم ليس فضيحة أمريكا وحدها، بل فضيحة عصر كامل صدّق أن القوة يمكن أن تكون بديلًا عن الأخلاق. وربما لهذا يبدو المشهد مقرفا إلى هذا الحد: لأن الحقيقة تأتي متأخرة، بعد أن دُفع قررت أثمانها دمًا ودموعًا وأوطانًا مكسورة.
سيكتب المؤرخون يومًا أن أخطر ما حدث في بدايات هذا القرن لم يكن الحروب ذاتها، بل سقوط الوهم الكبير. فحين تسقط الأقنعة، لا يظهر وجهٌ جميل بالضرورة… أحيانًا لا يظهر سوى حجم الخديعة.