شذرة في “السردية الأردنية ” للروابدة

الأول نيوز – الدكتور: محمود المساد
تفوّق الروابدة في توضيح جماليات “السردية الأردنية ” وكشفها من بين التفاصيل التاريخية متعددة الوجوه، التي تعكس تباين أفكار كُتّابها واتجاهاتهم،في كتابه الذي صدر حديثا بعنوان: ” شذرات من تاريخ الأردن”.
تمتد هذه السردية في عمق التاريخ، حيث تعاقبت على تراب الأرض الأردنية أمم، وحضارات تركت بصمات لها تشهد على حضاراتها، وكفاح شعوبها. لكنني في هذا المقال الموجز أسلط الضوء على شذرة ميلاد “الدولة الأردنية الحديثة” التي بدأت بمشاركة الأردنيين الفاعلة في جيش الثورة الشمالي بقيادة الأمير فيصل بن الحسين خلال سنتي ( ١٩١٧- ١٩١٨ ) ميلادية، التي استمرت في تحرير جميع المدن الأردنية، والسورية الواقعة جنوب دمشق من التواجد التركي، ودخلت دمشق في ٣/ ١٠/ ١٩١٨ حيث رفعت العلم الهاشمي فيها، وشكّلت الحكومة العسكرية باسم الملك الحسين بن علي؛ معلنة تحرير بلاد العرب الأسيوية من السيطرة التركية، بالتعاون مع الحلفاء.
جاء ميلاد الدولة الأردنية الحديثة بتأسيس “إمارة الشرق العربي” نتيجة المداولات الصعبة التي دارت في اجتماع الأمير عبدالله بن الحسين، وبصحبته عدد من رجالات العرب الذين كانوا ثوّارا وقتذاك، إلى جانب الملك فيصل في سوريا، بالإضافة إلى تشرشل المندوب السامي البريطاني في القدس، بعد أن عاد من اجتماعه في القاهرة عام ١٩١٨.
إن هذه المداولات بين سموّ الأمير عبد الله، وصحبه مع تشرشل قادت إلى اختيار المتاح من السيناريوهات المطروحة، حيث قبل الأمير عبد الله اقتطاع الأرض شرق نهر الأردن، وفقا لاتفاقية سايكس-بيكو، من وعد بلفور لليهود بتأسيس كيانهم على أرض فلسطين العربية، من أجل أن يؤسس عليها إمارة الشرق العربي في عام ١٩٢١.
و بعد هذا الحدث السياسي، بدأ الأمير عبد الله بتشكيل مجالس الإدارة الثلاثة التي عُرفت آنذاك بالحكومات المحلية وهي: إربد، والسلط، والكرك. بصفة أن العقبة ومعان كان قد سبق لملك الحجاز الشريف الحسين بن علي ضمّهما إلى مملكته مؤقتا؛ لتعود فيما بعد إلى أرض الإمارة عام ١٩٢٥.
لقد كشف قبول الأمير عبد الله سيناريو تأسيس” إمارة الشرق العربي” عن حنكة سياسية، ورؤية مستقبلية ثاقبة حالت دون تمكين اليهود منها،إضافة إلى يقين تشرشل بأن اليهود لا يمكنهم السيطرة على هذه الأرض الثائرة، ورغبة بريطانيا في تهدئة أمور ثورة الشريف حسين وعزمه على تحقيق أهدافه في تأسيس دولة عربية، تمتد على مساحة بلاد الشام، والهلال الخصيب كافة.
نعم، فقد أبدع الروابدة في وصفه بدايات سردية الدولة الأردنية الحديثة بالمشرِّفة بامتياز،حيث كانت شرعية دينية نضالية قادها وتحمل عنتها النضالي أبناء ملك الحجاز الهاشمي الشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه وأحفاده، كما كانت قومية عربية في مضامينها على أرض الواقع ،لا شعارات شكلية تُرفَع فحسب. لقد تشكلت منذ تأسيس الإمارة وحتى الاستقلال عام ١٩٤٦ ثماني عشرة حكومة، تسنّمت رئاستها قيادات عربية ( رشيد طليع، ومظهر رسلان، وعلي رضا الركابي، وحسن أبو الهدى، وعبد الله سراج، وإبراهيم هاشم، وتوفيق أبو الهدى، وسمير الرفاعي)، ولم يكن من بينهم شخص أردني المولد.إضافة إلى ذلك، تمكن المجتمع الأردني بأطيافه كافة من القيم العروبية ومارسوها فعلا ،حيث عززوا مضمون الجيش العربي الأردني، والدفاع عن القضايا العربية بالغالي والنفيس وعلى رأسها القضية الفلسطينة،و يعملون بكل المتاح من الأدوات الفكرية، والسياسية،، والاجتماعية على يقظة المشاعر، والاتجاهات القومية التي من شأنها ترسيخ خطوات جادة نحو أي شكل، أو صيغة وحدوية عربية.
ولا ننسى أن التشرذم العربي الذي وصلنا إليه، وانهيار الجدار العربي الحامي للأمة العربية كشف عظمة البناة لهذا المشروع العربي الرادع للاطماع الاستعمارية… فأزمة العالم العربي ليست تكمن في غياب فرص الوحدة، بل في غياب الرغبة في اغتنامها، وليست في عزوف الشعوب العربية عنها، بل في تجاوب طبقات الحكم لضغط الخارج لتجاوزها. والنتيجة كانت تشكيل كيانات عربية سياسية واسعة الموارد، محدودة الإرادة، اختارت العيش داخل وهم الاستقلال، وفائض الاستسلام.

عن Alaa

شاهد أيضاً

ذكرى الوفاء والبيعة… عهدٌ راسخٌ تجدّده القوات المسلحة الأردنية

الأول نيوز – بقلم مدير الإعلام العسكري العميد الركن مصطفى عبد الحليم الحياري في ذكرى …