الدكتور أحمد ناصر الطهاروة – الأول نيوز –
من يقرأ شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراءةً متأنية، وخصوصًا من خلال كتابه الشهير ” فن إبرام الصفقة” The Art of the Deal، يدرك أن الرجل لا يفصل بين عالم الأعمال وعالم السياسة. فالمعادلة لديه واحدة: ارفع سقف التهديد، ضاعف الضغوط، ثم اجلس إلى الطاولة لتوقّع “أعظم صفقة في التاريخ”.
هذا المنهج لم يكن تنظيرًا في ثمانينيات القرن الماضي، بل أصبح لاحقًا أسلوب حكم. فمن كوريا الشمالية إلى الصين، ومن إعادة التفاوض حول الاتفاقيات الاقتصادية إلى إعادة صياغة تموضع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، اتبع ترامب نهج “الضغط الأقصى” كأداة تفاوضية أساسية.
اليوم، يعود السؤال إلى الواجهة: هل يعني تصعيده المحتمل تجاه إيران تمهيدًا لحرب، أم أنه جزء من مسار تفاوضي صاخب ينتهي بصفقة كبرى؟
ترامب يميل إلى خلق حالة من عدم اليقين. فهو يضخم التهديد إعلاميًا، ويفرض عقوبات اقتصادية خانقة، ويترك خصومه في حالة ترقب دائم. غير أن هذا التصعيد غالبًا ما يكون مدروسًا، لا بهدف الانزلاق إلى حرب مفتوحة، بل لدفع الطرف الآخر إلى طاولة التفاوض من موقع أضعف.
الحرب الشاملة، في حساباته، مكلفة سياسيًا واقتصاديًا، وقد تستنزف الداخل الأميركي. أما الصفقة، فهي إنجاز يمكن تسويقه انتخابيًا وإعلاميًا، خصوصًا إذا جرى تقديمها بوصفها اختراقًا تاريخيًا لم يسبقه إليه أحد.
إيران ليست خصمًا سهلًا. فهي دولة تمتلك خبرة طويلة في إدارة الصراعات الممتدة، وتعرف كيف تناور تحت الضغط. لذلك فإن أي مسار تصعيدي لن يكون بلا ثمن، لكنه أيضًا لن يُترجم بالضرورة إلى مواجهة عسكرية شاملة.
الأرجح أن الضغوط الاقتصادية والسياسية ستُستخدم لخلق بيئة تفاوضية جديدة، تختلف في شروطها عن الاتفاقات السابقة. لكن من غير المرجح أن تقبل طهران باتفاق يُظهرها في موقع المنهزم الكامل، ما يعني أن أي صفقة محتملة ستكون نتاج مساومات دقيقة ومعقدة.
جوهر المسألة لا يكمن فقط في الاتفاق ذاته، بل في “روايته”. فترامب لا يسعى إلى توقيع اتفاق فحسب، بل إلى تسويقه باعتباره الأفضل في التاريخ، حتى لو كانت بنوده قريبة من تفاهمات سابقة مع تعديلات محدودة.
هنا تتجلى شخصيته التفاوضية: صناعة الحدث، تضخيم المخاطر، ثم تقديم الحل بوصفه إنجازًا استثنائيًا.
في تقديري، سنشهد تصعيدًا كبيرًا في الخطاب والإجراءات ضد إيران، وربما عمليات ضغط عسكري محدودة ومدروسة، لكن دون الانزلاق إلى حرب واسعة النطاق، إلا إذا فُرضت معادلات ميدانية قاهرة.
سياسة “الضغط الأقصى” ليست غاية بحد ذاتها، بل أداة لبلوغ الصفقة. والسؤال الحقيقي ليس: هل سيشن حربًا؟ بل: ما شكل الصفقة التي يسعى إليها، وكيف سيقدّمها للعالم؟
في السياسة كما في التجارة، قد تنجح الضغوط في انتزاع تنازلات، لكنها لا تبني دائمًا استقرارًا طويل الأمد. فالاستقرار يحتاج إلى توازن مصالح، لا إلى رواية انتصار فقط.