الأول نيوز – الدكتور محمود المساد
مما ينبغي لفت النظر إليه هو أن سردية الدولة الأردنية الحديثة ليست عرَضا تاريخيّا موثقا فحسب، بل هي مزيج مركّب من التاريخ، والقيم، والثقافة، ترسخت في فكر الأجداد، وظهرت عيانا في سلوكيّاتهم، وممارساتهم المتكررة النامية عِبر الأجيال في كل الميادين، والمجالات: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.
هذه السردية التي تشرّبها، وتمثّلها الأجداد، والآباء، والأبناء، شكّلت إطارا فكريّا واعيا يوجه سلوكهم وقامت على: النخوة، ونُصرة الحق. كما ظهر ذلك في فعل الأجداد الذين اقتنعوا بدعوة ملِك الحجاز الشريف الحسين بن علي في الثورة على دعاة التتريك الذين قفزوا على دولة الخلافة الإسلامية، كما انتخوا أيضا للأمير عبد الله بن الحسين عندما أقام في مدينة مَعان؛ نُصرة له من أجل استرداد حكم أخيه الملك فيصل، الذي استولت عليه فرنسا بعد معركة ميسلون عام ١٩١٨ .
كما قامت السردية الأردنية على الالتفاف الطوعي الحر حول الأمير عبد الله بن الحسين، إلى جانب الثوار العرب الذين كانوا مع الملك فيصل قبل انتقاله للعراق، وغيرهم ممن توافدوا إلى مدينة مَعان ومن ثم مدينة عمّان، حيث شكَلوا معا فريقا عربيّا همّه وهدفه فقط مناهضة الظلم ، ومخططات سايكس- بيكو، ووعد بلفور، في إقامة الكيان اليهودي الصهيوني على أرض فلسطين العربية. ويظهر ذلك جليّا في مطالبات أعيان الشمال في الاجتماع الذي عقدوه في بلدة أم قيس بتاريخ ٢/ ٩/ ١٩٢٠ ، والتي تحمل دلالات قومية مهمة.
من هنا، وعلى فِراش هذا الطوفان من المشاعر القومية العربية وُلِِدت سردية الدولة الأردنية الحديثة، مطلع القرن التاسع عشر ( ١٩١٨- ١٩٢١ ) . وأثمرت، إضافة للمخزون الهائل من المشاعر، والعواطف العروبية الجياشة في نفوس الأردنيين: جيشا عربيّا، وحكومات عربية، وزخما متتابعا من الدعم للقضايا العربية.
كما قامت السردية الأردنية على حب الأرض العربية ومقدّراتها ، وصدق النوايا، والغايات نحو أناسها المقيمين عليها، والوافدين إليها -بالقول والفعل- ، حيث ظهر ذلك جليّا في ضم ملِك الحجاز الشريف الحسين بن علي منطقة العقبة، ومَعان لمملكة الحجاز عام ١٩١٨، بعد الخسارة العربية في معركة ميسلون؛ حماية لها من الأطماع الصهيونية، وأعادها لإمارة الشرق العربي في عام ١٩٢٥ بعد أن تأسست الإمارة بقيادة الأمير عبد الله بن الحسين واستقرت؛ معلنة انتهاء عهد الفوضى الذي ساد في فترة الحكومات المحلية.
إن اجتماع العرب الطوعي حول الأمير عبد الله المقيم آنذاك في مَعان هو التفاف حول المشروع العربي الطموح الذي نادى به الشريف الحسين بن علي ملِك الحجاز، وناضل من أجله الأردنيون، وأحرار العرب ضد دعاة التتريك، إلى جانب الحلفاء على طريق تحقيق وحدة الأرض العربية في بلاد الشام، والهلال الخصيب.
من هنا، يمكننا أن نؤرخ للسردية الأردنية في عهدها الحديث بأنها سردية دولة وُلِِدت على الفِراش العربي في مدينة مَعان العربية، وتنقلت معها ثائرة في مراكز الحكم في كل من السلط، وعمّان، وهي تحمل الهم العربي، ونصرة قضاياه القومية، وفي مقدمتها قضية فلسطين.
وفي كل مرة كانت تُثبت اتساق مواقفها النابضة بالعروبة، وأنها عربية ولكل العرب: زوّارا، ومهاجرين، ومهجَّرين، وعاملين، يقيمون إقامة مؤقتة، أو دائمة، تحفّهم وترعاهم أرض، وأيادٍ، وعقول لا تعرف إلا الترحيب والتقدير.
( وفي المقال القادم سوف نفصّل القول أكثر حول هذه الشذرة من تاريخ الأردن لمؤلفه عبد الرؤوف الروابدة).