الأول نيوز – لا تُبنى خماسية الشنفرى في مسلسل أبطال الرمال بوصفها سردًا لحياة شاعر جاهلي قُتل غدرًا، بل بوصفها مسارًا كاملًا للألم، مقسّمًا إلى مراحل واضحة، تُقاد الشخصية عبرها حتى نهايتها المنطقية. العمل، وإن عُرض تلفزيونيًا، كُتب بعقلية سينمائية، حيث لا تعمل الحلقات كوحدات مستقلة، بل كمراحل متتابعة في طقس واحد. كل حلقة لا تضيف حدثًا بقدر ما تُعمّق موضع الشخصية داخل طريق اختير منذ البداية ولا عودة منه.
الشنفرى هنا لا يُقدَّم بوصفه بطلًا ولا ضحية، بل رجلًا اختار موقعه ثم دفع ثمنه كاملًا. عاش مع الفقراء لا ليقودهم ولا ليخلّصهم، بل لأنه لا يعرف موضعًا آخر. قال كلمته بقدر، بلا منبر ولا حماية، ثم مضى. هذا الموقع هو نفسه الذي تشتغل عليه القراءات الفلسفية والإنسانية لسيرة السيد المسيح، حيث لا يبدأ الصدام من فعل عنيف، بل من حضور أخلاقي مكشوف. القرب من الهامش، والكلمة التي لا تستند إلى قوة، كفيلان وحدهما بأن يجعلا الوجود غير محتمل داخل أي نظام.
تتشكّل المرحلة الأولى من الألم بوصفها العيش خارج الحماية. وجود هادئ، ثقيل، لا حدث فيه سوى أن الشخصية تُرى كما هي. ثم تأتي المرحلة الثانية، التضييق. المكان يضيق، الحركة تطول، والجسد يُدفع إلى الطريق. كما في طريق الآلام، لا يبدأ العذاب بالموت، بل بالمشي. بالملاحقة. بالإحساس أن العالم صار أضيق من الجسد.
المرحلة الثالثة هي الإيذاء العلني. الرشق بالحجارة أثناء المشي بين الناس ليس تفصيلة درامية، بل إعلانًا. العنف هنا لا يُمارس في الخفاء، بل أمام الجماعة. هذا هو جوهر طريق الآلام في السرد الكنسي، حيث يتحول الجسد إلى مساحة عرض حين يعجز النظام عن الإقناع. لا يُطلب من المتلقي التعاطف، بل الفهم. الفهم بأن العنف إجراء، لا انفعالًا.
المرحلة الرابعة هي الخيانة. التاريخ يذكر الغدر، لكن العمل يختار شكله بدقة. الواشي ليس عدوًا خارجيًا، بل واحدًا من الدائرة القريبة، ممن عاشوا مع الشنفرى وتكوّنوا في محيطه. المال هنا ليس دافعًا نفسيًا بسيطًا، بل علامة سردية. سقوط النقود واعتراف الندم المتأخر لا يخففان الفعل، بل يثبتانه. هذا البناء يعيد إنتاج وظيفة خيانة يهوذا الإسخريوطي في الأناجيل، حيث لا تُلغى الخيانة بالندم، ولا تُكتب لتفسير القبض، بل لتأكيد أن الإقصاء لا يتم إلا من الداخل.
المرحلة الخامسة لا تُبنى على الموت المباشر، بل على تعليق الجسد قبل إنهائه. الشنفرى لا يُقتل أولًا، بل يُربط إلى الشجرة قائمًا. الجسد يُقام ليُرى. الوقوف هنا ليس وضعية جسدية، بل موقفًا أخلاقيًا. في هذا الموضع تأتي شربة الماء، لا في النهاية، بل في قلب الألم. الماء لا يُقدَّم لينقذ، بل ليُبقي الوعي حاضرًا. كما في قول المسيح «أنا عطشان»، لا يغيّر الشراب المصير، بل يؤكد أن الإنسان ما زال يشعر. بعد اكتمال هذا الطقس فقط، تأتي السهام. لا لتبدأ الموت، بل لتُنهيه. ثم يُؤخذ الجسد. لا يُترك. كما أُنزِل جسد المسيح عن الصليب، يُسترد جسد الشنفرى. لم تعُد الحياة، لكن عادت الكرامة.
أداء النجم منذر رياحنة هو العمود الفقري لهذا البناء. الأداء مدهش لأنه عميق، لا لأنه صاخب. رياحنة لم يتعامل مع الشنفرى بوصفه شاعرًا يُلقي شعره، بل بوصفه إنسانًا يحمل الكلمة كما يحمل الجسد تعبه. قراءة الشعر جاءت منزوعة من التلحين والاستعراض المعتادين، وكأنها حديث مباشر مع الناس. الكلمة تُقال بقدرها، ثم يُترك أثرها للصمت. هذا الاختيار يعيد الشعر إلى وظيفته الأولى، قول الحكمة لا عرض البلاغة، ويقترب بوضوح من طريقة نقل أقوال السيد المسيح في الأناجيل، حيث لم تُقدَّم الأمثال كخطب، بل كجمل قصيرة تُقال في الطريق ثم تُترك لتعمل.
العاطفة في هذا الأداء لم تُلغَ، لكنها ضُبطت. البكاء حاضر، لكنه بكاء الرجال. لا انفجار، ولا استجداء شفقة. الدموع تأتي بعد القرار، لا قبله. تمرّ على الجسد ولا تُسقطه. العطف يُستخدم لكشف القسوة، لا لتخفيفها. هذا التوازن هو ما يمنح الأداء ثقله الإنساني. الحزن موجود، لكنه لا يقود. الثبات هو القائد. وهذا ينسجم مع القراءة الروحية لسيرة المسيح، حيث لا يُلغى الحزن، بل يُحمل، ولا تُنفى الدموع، بل تُضبط داخل وعي بالمصير.
نفسيًا، لا يُقدَّم الشنفرى كشخصية مهزومة، بل كشخصية حاسمة. لا نرى محاولة نجاة أخيرة، ولا خطاب احتجاج، ولا مساومة متأخرة. النفس التي اختارت موقعها منذ البداية لا تُفاجأ بعاقبته. هذا الثبات هو ما جعل النهاية نتيجة، لا مفاجأة، وجعل العمل يبدو فيلمًا لا مسلسلًا، لأن السينما في جوهرها وحدة مصير لا عدد مشاهد.
في النهاية، لا يمكن فصل هذا الفهم العميق للشخصية عن أداء النجم منذر رياحنة. هذا الأداء لم يكن تنفيذًا لدور مكتوب، بل قراءة واعية له، قراءة ساعدت المتلقي على فهم الشنفرى من الداخل، نفسيًا وروحيًا. من خلال ضبط العاطفة، والبكاء حين يلزم، والصمت حين يكون أبلغ، أتاح رياحنة للنص أن يقول أكثر مما كُتب فيه. بهذا المعنى، لا يكون الشكر هنا مجاملة، بل اعترافًا نقديًا بدور أداءٍ أساسي في كشف عمق شخصية معقّدة، وفي تحويل عمل تلفزيوني إلى تجربة مشاهدة تُفكّر بقدر ما تُحسّ.
