لم تُصنع القنابل للتخزين

الأول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب

لم تُصنع القنابل لتنام في عتمة المستودعات، بل لتبحث عن معنى وجودها في جسد مدينة.
هي ليست معدنًا فحسب، بل فكرةٌ صلبة: أن الحلّ يمكن أن يُختصر في انفجار، وأن السياسة يمكن أن تُكتب بلغة النار.
منذ أن تعلّم الإنسان صهر الحديد، وهو يتأرجح بين أن يصنع منه محراثًا أو سيفًا. الفارق ليس في المعدن، بل في الضمير الذي يمسكه. القنبلة في ذاتها جمادٌ أخرس، لكنّها حين تُحمل بنيّة القتل تصبح بيانًا أخلاقيًا مكتوبًا بالدم، يعلن أن الحوار قد أُعدم قبل أن يبدأ.
يقال إن السلاح يُصنع للردع، لكن الردع الذي يحتاج إلى تجربة كي يثبت نفسه يتحوّل سريعًا إلى إغراء. وما يُخزَّن طويلًا في المخازن، يضغط على أصابع أصحابه ليُستخدم، كأن في بقائه عارًا على صانعيه. وهكذا تتبدّل المعاني: يُصبح الدمار ضرورة، والقتل خيارًا استراتيجيًا، والضحايا أرقامًا في تقارير باردة.
غير أن كل انفجار، مهما ادّعى العقلانية، يفضح هشاشة الفكرة التي أطلقته. لأن القوة التي لا تجد سبيلًا إلا الإبادة، تعترف ضمنًا بعجزها عن الإقناع. والقتل، مهما تزيّن بشعارات الأمن أو الخلاص، يبقى انكسارًا في جوهر الإنسان؛ لحظة يتراجع فيها العقل خطوة، ويتقدّم الغريزة خطوات.
ليست المأساة في سقوط الجدران، بل في سقوط المعنى. حين يُختزل الإنسان إلى “هدف”، تُمحى قصته، وتُلغى أمه، ويُصادر مستقبله. القنبلة لا تميّز بين فكرةٍ في رأسٍ وعدوٍّ في خندق؛ إنها تُسقِط الاحتمالات كلّها دفعة واحدة، وتُعلن نهاية الحوار بين الحياة والموت.
إن إدانة القتل ليست رفاهًا أخلاقيًا ولا شعارًا مثاليًا، بل دفاعٌ عن الحدّ الأدنى الذي يجعلنا بشرًا. فالحضارة لا تُقاس بما نملك من ترسانة، بل بما نملك من قدرة على كفّ اليد حين تغضب. والتاريخ لا يخلّد من أتقنوا التفجير، بل من أتقنوا إطفاء الفتيل.
لم تُصنع القنابل للتخزين، نعم؛ لكن الإنسان لم يُخلق ليكون ميدان اختبار لها.
وبين المعدن والروح، يبقى الخيار أخلاقيًا قبل أن يكون عسكريًا:
إما أن نواصل صناعة الموت بحججٍ متجددة،
أو أن نجرؤ، أخيرًا، على صناعة حياةٍ لا تحتاج إلى مقابر جديدة.

عن Alaa

شاهد أيضاً

الشرق الأوسط بين المطرقة والسندان: قراءة في سيناريوهات الانفجار الكبير ومصير العرب

الاول نيوز – هشام قواسمة –   ​يقف الشرق الأوسط اليوم على فوهة بركان سياسي …