الأول نيوز – يحلّ اليوم العالمي للمرأة هذا العام على نساء قطاع غزة في ظل واقع إنساني بالغ القسوة، حيث تتقاطع المناسبة التي يحتفي فيها العالم بإنجازات المرأة وحقوقها مع مشاهد الحرب والنزوح وفقدان الأمان. وبين خيام النزوح وأحياء مدمّرة، تعيش آلاف النساء يوميات مثقلة بالمسؤوليات، في محاولة مستمرة للحفاظ على تماسك أسرهن وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.
ففي الوقت الذي تُنظم فيه فعاليات واحتفالات في دول عديدة تكريمًا لدور المرأة، تبدو المناسبة في غزة مختلفة تمامًا؛ إذ تتحول إلى لحظة تأمل في حجم التحديات التي تواجهها النساء، وإلى مساحة لسرد قصص الصمود التي تُكتب بصمت داخل البيوت المهدمة ومراكز الإيواء.
لم تعد المرأة الغزية تحتفل بهذا اليوم كما في السابق، بل أصبح همّها الأكبر هو تأمين الطعام والماء لأطفالها، ومحاولة خلق شعور بالأمان وسط واقع مضطرب. ورغم قسوة الظروف، تواصل كثير من النساء القيام بأدوار مضاعفة داخل الأسرة والمجتمع، في مشهد يعكس قوة استثنائية وقدرة على التكيّف مع أقسى الظروف.
النزوح… حياة مؤقتة بلا يقين
داخل خيمة صغيرة في أحد مراكز الإيواء، تجلس أم محمد (38 عامًا) إلى جانب أطفالها الخمسة، تحاول ترتيب بعض الأغطية المتواضعة التي تفصل بين أفراد الأسرة في مساحة ضيقة. تقول بصوت هادئ يخفي الكثير من التعب: “قبل الحرب كنا نعيش حياة بسيطة لكنها مستقرة. كان لدي بيت صغير أعتني به، وأطفالي يذهبون إلى المدرسة كل صباح. أما اليوم فنحن نعيش في خيمة، وكل يوم نفكر كيف سنقضيه.”
وتضيف وهي تنظر إلى أطفالها: “في يوم المرأة كنا نتبادل التهاني ونخرج لزيارة الأهل. أما الآن فلا نفكر في الاحتفال، كل ما نريده هو أن نعيش بسلام وأن يعود أطفالي إلى حياتهم الطبيعية.”
وتوضح أم محمد أن أكثر ما يرهقها ليس فقط صعوبة العيش داخل الخيمة، بل الشعور المستمر بعدم الاستقرار: “لا يوجد شيء ثابت في حياتنا الآن. أحيانًا لا نجد ما يكفي من الطعام، وأحيانًا يكون البرد قاسيًا على الأطفال، لكنني أحاول أن أبدو قوية أمامهم، لأنهم يحتاجون أن يشعروا أن أمهم قادرة على حمايتهم.”
تعليم تحت الضغط
أما الطالبة الجامعية سارة (21 عامًا)، فقد وجدت نفسها أمام واقع مختلف تمامًا عما كانت تخطط له في بداية عامها الدراسي، تقول: “كنت أدرس في الجامعة وأحلم بالتخرج والعمل في مجالي، لكن الحرب غيّرت كل شيء. توقفت الدراسة، ونزحنا من منزلنا، وأصبحنا نعيش في مكان مزدحم يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.”
وتتابع: “أحاول أن أستمر في الدراسة قدر الإمكان. أحيانًا أفتح كتبي في الليل وأدرس على ضوء الهاتف، لكن الأمر ليس سهلاً. الضجيج والقلق المستمر يجعل التركيز صعبًا.”
ورغم ذلك، تقول سارة إن النساء في غزة يحاولن التمسك بالأمل: “في يوم المرأة العالمي أفكر في كل النساء هنا، الأمهات والطالبات والعاملات، كل واحدة منهن تقاوم بطريقتها الخاصة. ربما لا نملك الكثير، لكننا نحاول ألا نفقد الأمل في المستقبل.”
بين الألم والأمل
ورغم الواقع الإنساني الصعب الذي تعيشه غزة، تبقى النساء فيها رمزًا للصبر والقدرة الاستثنائية على التكيّف مع الظروف القاسية، فبين الخيام المزدحمة ومراكز الإيواء المؤقتة، تحاول كثير من النساء إعادة ترتيب تفاصيل الحياة اليومية، ولو بوسائل بسيطة وإمكانات محدودة، بعضهن يشاركن في مبادرات تطوعية تهدف إلى مساعدة العائلات النازحة، فيما تبادر أخريات إلى تنظيم أنشطة للأطفال داخل مراكز الإيواء، في محاولة للتخفيف من آثار الخوف والصدمة التي خلفتها الحرب في نفوسهم.
وتسعى نساء كثيرات إلى خلق مساحات صغيرة من الحياة الطبيعية وسط هذا الواقع المضطرب؛ فتجد إحداهن تجمع الأطفال لتعليمهم الحروف أو مساعدتهم في متابعة دروسهم، بينما تحرص أخرى على تنظيم أوقات للعب والرسم والغناء، إيمانًا بأن هذه اللحظات البسيطة قد تكون كفيلة بإعادة بعض الطمأنينة إلى قلوب الصغار.
ولا يقتصر دور النساء على رعاية الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل دعم بعضهن البعض في مواجهة الضغوط اليومية. ففي مراكز الإيواء تتشكل روابط تضامن إنساني بين النساء، حيث تتشارك الأمهات الأعباء والقصص، وتقدّم كل واحدة ما تستطيع من مساعدة، سواء كانت وجبة طعام بسيطة، أو كلمة مواساة، أو يدًا تمتد لتخفف عن أخرى شيئًا من ثقل الأيام.
وفي هذا اليوم، الذي يحتفي فيه العالم بـ اليوم العالمي للمرأة، قد لا تكون هناك في غزة احتفالات أو فعاليات رسمية، لكن حضور المرأة الغزية في تفاصيل الحياة اليومية يظل شاهدًا حيًا على قوة استثنائية. فبين الألم والأمل، تواصل النساء هنا كتابة حكايات الصمود بصمت، ويثبتن أن دور المرأة لا يتوقف عند مواجهة الأزمات، بل يمتد إلى صناعة الحياة نفسها في أكثر اللحظات صعوبة. (بوابة الهدف)