د. بشار الخرشة –
الأول نيوز – زرت طهران مرتين في بدايات عملي الإعلامي مطلع الألفية.. ومن يومها خرجت بوجهة نظر متواضعة حول إيران.. مفادها أن هذه البلاد ليست تماماً كما نسمع عنها أو نراها في مرايا الصحافة والإعلام.
هناك، خلف العناوين الإعلامية الصاخبة، تقف دولة مختلفة .. منغلقة في ظاهرها، لكنها في باطن الأمر تشبه الكثير من بلدان العالم الثالث؛ تضيق بأوضاعها العامة، لكنها لا تقوى على البوح أو الفضفضة عبر قنوات الإعلام، خصوصاً في ظل تمركز السلطة المتشددة وما تعيشه البلاد من عزلة.
ومع ذلك ، قد ترى في بعض أحيائها الراقية، وفنادقها الكبرى، ومولاتها التجارية الحديثة، ما يجعلك تلاحظ بوضوح مظاهر الانفتاح لدى الشباب والأجيال الجديدة. غير أن هذا التغيير، الذي لا يخفى على عين أي زائر للبلاد ، يحدث داخل بنية دولة مشبعة باعتزاز قومي كثيف، يكاد يظهر في كل فضاءات المجال العام للدولة وتفاصيل الحياة اليومية للناس.
أكثر ما لفت انتباهي في طهران انك حين تتحدث مع إيراني.. إعلامياً كان أو سياسياً أو ..حتى سائق سيارة في الشارع العام ..تشعر أن لكلماته أكثر من معنى ..كلمة تقال على اللسان ، وأخرى تلمع في العين ، وثالثة يحتفظ بها في الجيب ، ورابعة تبقى في قلب المتحدث…!
قد لايكون ذلك من قبيل ازدواجية الشخصية ، و لا من باب المهارات السلوكية بقدر ما هو حذر تاريخي تشكل عبر سنوات طويلة من الشعور بالعزلة والتوجس من الآخر.
إيران لا تتحرك دون قصد . إنها دولة اعتادت أن تراقب الفراغات جيداً ، وتعرف كيف تتقدم بهدوء لتملأها ..لا تمنح ثقتها بسهولة، لأنها ترى محيطها ساحة تنافس ..ولهذا تتعامل مع الآخرين بريبة وتقية وذاكرة طويلة .
قد يظن البعض أن خطاب وسلوك الدولة تحكمهما الشعارات الدينية والثورية التي تصدرها أدوات النظام إلى المنطقة والعالم، لكن الحقيقة أن خلف ذلك تكمن براغماتية محضة وواضحة، يقف خلفها شعور عميق بالمصلحة أولاً، وبالتاريخ القومي ثانياً..فهي دولة تتملكها نزعة قومية مركزية،حيث ترى نفسها وريثة جغرافيا واسعة وحضارة موغلة في القدم، وأن عليها أن تصدر ثورتها .. لتعزز مكانتها وتستعيد أمجادها . وهذا ما يمكن قراءته في تفاصيل الخطاب الرمزي الكثيف للدولة، وفي الكتابات والشعارات والصور التي تملأ الشوارع والساحات العامة.
أما الشعب الإيراني، فستراه بسيطاً في تفاصيل حياته اليومية ، لكنه شديد الخشونة في طبعه ، مدهش في قدرته على التكيّف مع الضيق والضغوط.. وربما انعكس ذلك على سلوك الدولة ونهجها ، خصوصا جراء ما واجهته من ظروف وصراعات وعزلة في محيطها الاقليمي والدولي.
هذا باختصار ما رأيته ولمسته في إيران.. بلد يكتنفه الغموض.. لا يقول كل شيء ، ولا يفعل كل ما يقول .. لكنه يعرف ويدرك جيداً ماذا يريد .