الاول نيوز – هشام القواسمة
تتسارع وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط بين لهيب القصف العنيف في العمق الإيراني، وبين كواليس الدبلوماسية السرية التي تقودها موسكو. ومع وصول التصعيد إلى ذروته، يبدو أن المنطقة أمام مفترق طرق تاريخي: إما انكسار “الجدار الفارسي” كما يخطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو ولادة إقليمية جديدة تفرض فيها طهران شروطها كقوة صاعدة لا يمكن تجاوزها.
دخلت الإدارة الأمريكية الجديدة المواجهة بشعار “الزلزال”، مراهنة على قصف مراكز القرار والبنى التحتية لإجبار القيادة الإيرانية على التوسل عبر القنوات الروسية. لكن الحسابات الميدانية كشفت عن ثغرات في جدار الردع إذ تشير المعطيات إلى أن الدفاعات الجوية في الأرض المحتلة استُنزفت إلى حد كبير أمام موجات “صواريخ القدر”، مما دفع تل أبيب للطلب من الكرملين التدخل العاجل لفرض تهدئة تحمي المطارات والمرافق الحيوية من دمار شامل بات وشيكاً.
في طهران، أظهرت القيادة الجديدة برئاسة مجتبى خامنئي صلابة غير متوقعة، محولةً التهديدات الأمريكية إلى وقود للتعبئة الداخلية. وبشعار “الموت ولا المذلة”، أدارت طهران المعركة برؤية وجودية، معتبرة أن أي تراجع يعني تكرار سيناريوهات قاسية شهدتها المنطقة سابقاً. هذا الصمود العسكري، المدعوم بخطوط إمداد لم تنقطع، وضع واشنطن أمام خيارين أحلاهما مر: الاستمرار في حرب استنزاف طويلة الأمد، أو القبول بوساطة بوتين التي تحفظ ماء الوجه.
فقد لعب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دوراً محورياً برفضه التخلي عن حليفه الإيراني. وطرحت موسكو معادلة “لا غالب ولا مغلوب”، وهي التسوية التي تضمن بقاء هيكلية الدولة الإيرانية مقابل وقف العمليات القتالية، مما يضع حداً للطموحات الأمريكية بتغيير النظام بالقوة.
أما دول الخليج العربي فقد أثبتت نضجاً سياسياً لافتاً. فبرغم الخسائر الاقتصادية الفادحة وتوقف حركة الطيران، رفضت المنطقة الانجرار خلف الوعود الأمريكية، وفضلت التمسك بلغة العقل والجوار، مدركةً أن استقرار المنطقة يبدأ من الداخل وليس عبر مغامرات عسكرية خارجية مدركة أن المتغطي بأمريكيا بردان.
أخيراً إن انتهاء هذه الجولة دون تحقيق أهداف “الزلزال” الأمريكي سيعني حتماً انتقال إيران من خانة الدولة المارقة في العرف الغربي إلى مشروع دولة عظمى إقليمياً. وبينما تلملم واشنطن أوراقها، تبرز الصين في الأفق كلاعب ينتظر لحظة الحسم، مما يؤكد أن الدرس الأهم من معركة إيران هو أن الوحدة والحكمة هما الضامن الوحيد للبقاء في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.