الاول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب
في السياسة قد يكون الجشع خطيرًا، لكن الغباء أخطر منه بكثير. فالقائد الجشع غالبًا ما يحسب خطواته بدقة لأنه يريد الحفاظ على مكاسبه، أما القائد الذي تحكمه الرؤية الضيقة أو الغرور فقد يقود العالم إلى الحافة وهو يظن أنه يصنع مجدًا تاريخيًا. وهنا تكمن المأساة الحقيقية في السياسة: أن يتحول القرار الذي يمس مصير ملايين البشر إلى فعل اندفاع أو مقامرة.
ومن هنا يبرز السؤال الصادم الذي يفرض نفسه على العقل الإنساني اليوم:
أيعقل أن مجموعة بشرية صغيرة، أسيرة أوهام قديمة أكل الدهر عليها وشرب، تحاول أن تجرّ العالم كله إلى حافة الهاوية؟
إن أخطر ما في الغباء السياسي أنه لا يظهر دائمًا في صورة جهل واضح، بل قد يتخفى خلف شعارات القوة والعظمة والانتصار. فبعض القادة يعتقدون أن التاريخ يمكن إخضاعه بالقوة، وأن الجيوش تستطيع فرض رواية واحدة على الشعوب، وأن العالم سيقبل دائمًا بمنطق الغلبة. لكن التاريخ، في حقيقته العميقة، لا يسير بهذه البساطة.
لقد ظنت إمبراطوريات كثيرة عبر القرون أنها قادرة على السيطرة إلى الأبد. امتلكت الجيوش الضخمة، والثروات الهائلة، وأجهزة القوة بكل أشكالها. ومع ذلك سقطت في النهاية، لأن القوة حين تنفصل عن الحكمة تتحول إلى عبء على صاحبها قبل أن تكون خطرًا على خصومه.
إن العالم الذي نعيش فيه اليوم لم يعد كما كان قبل قرن أو حتى قبل عقود قليلة. لقد أصبح عالمًا مترابطًا بشكل غير مسبوق؛ حرب صغيرة في منطقة ما قد تتحول إلى أزمة دولية، وقرار متهور قد يفتح أبواب صراعات لا يمكن السيطرة عليها. ولذلك فإن المسؤولية السياسية اليوم أصبحت أكبر بكثير مما كانت عليه في أي وقت سابق في التاريخ.
ما نشهده في سياسات يقودها أشخاص مثل Donald Trump وBenjamin Netanyahu يعيد طرح سؤال جوهري: هل يمكن أن تتحول السياسة في بعض اللحظات إلى مقامرة بمصير البشرية؟
إن المشكلة ليست في الصراع نفسه، فالصراع جزء من طبيعة التاريخ البشري. الحضارات كلها عرفت الحروب والنزاعات. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين تتحول السياسة إلى عقلية مغامرة، وحين يعتقد بعض القادة أن بإمكانهم إعادة تشكيل العالم وفق رؤيتهم الخاصة مهما كانت النتائج.
وفي مثل هذه اللحظات يصبح الغباء السياسي أكثر خطورة من الجشع أو الطموح. فالجشع قد يدفع صاحبه إلى البحث عن الربح، لكنه غالبًا يتوقف عند حدود الخسارة المحتملة. أما الغباء السياسي فهو اندفاع أعمى، لا يرى العواقب البعيدة، ولا يفهم أن إشعال النار قد يحرق الجميع.
لقد تعلمت البشرية عبر تاريخ طويل أن القوة وحدها لا تكفي لبناء المستقبل. فالقوة قد تحقق انتصارًا عسكريًا هنا أو هناك، لكنها لا تستطيع أن تصنع سلامًا دائمًا، ولا أن تفرض على الشعوب
أن تنسى حقوقها أو كرامتها.
ولهذا فإن السياسة الحكيمة لا تقوم فقط على حسابات القوة، بل تقوم قبل كل شيء على فهم عميق للإنسان والتاريخ. فالقائد الحقيقي ليس من يربح معركة، بل من يمنع اندلاع الحروب التي قد تدمر العالم.
إن أكثر ما يخيف في لحظات التوتر الكبرى في التاريخ هو أن مصير ملايين البشر قد يصبح مرتبطًا بقرارات يتخذها عدد قليل من الأشخاص. وعندما تكون تلك القرارات أسيرة الغرور أو الحسابات الضيقة، يصبح العالم كله مهددًا بدفع الثمن.
وربما لهذا السبب ظل التاريخ يكرر درسًا واحدًا لا يتغير:
القوة التي لا يرافقها عقل وعدل تتحول في النهاية إلى سبب سقوط أصحابها.
فالتاريخ لا يرحم القادة الذين يخلطون بين القوة والحكمة، ولا أولئك الذين يعتقدون أن العالم يمكن أن يُدار بعقلية الغلبة الدائمة. فالقوة قد تصنع لحظة انتصار عابرة، لكنها لا تستطيع أن تبني مستقبلًا مستقرًا.
أما الحكمة وحدها فهي التي تمنع العالم من السقوط في الهاوية، وهي التي تذكر البشر دائمًا بأن السياسة، في جوهرها الحقيقي، ليست لعبة قوة فقط، بل مسؤولية أخلاقية تجاه مصير الإنسانية كلها