حين ينعق غربان الخراب

الدكتور احمد الطهاروة – الأول نيوز –

في كل مرحلة تقريباً من تاريخ المنطقة، تظهر غربان الخراب . ويكررون السؤال ذاته: إلى متى سيصمد هذا البلد الصغير؟ وكأن هناك من ينتظر لحظة إعلان النهاية.
غير أن المفارقة التي لم يفهمها كثيرون بعد هي أن الأردن، منذ تأسيسه، لم يكن دولة تعيش على حافة الانهيار كما يتخيل البعض، بل دولة تعيش على حافة الإدارة الذكية للأزمات.
كثيرون ينظرون إلى الأردن على الخريطة فيرونه مجرد مساحة صغيرة في قلب شرق أوسط مضطرب؛ حوله حروب وصراعات وانهيارات اقتصادية ودول تفككت أو كادت. سوريا تحترق منذ سنوات، العراق أنهكته الحروب، لبنان يغرق في أزماته المزمنة، والمنطقة بأكملها تتأرجح بين صراعات إقليمية ودولية مفتوحة.
ومع ذلك، تقف عمّان في قلب هذه العاصفة دون أن تسقط.
البعض يفسر ذلك بالحظ، وآخرون يسمونه حياداً، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالأردن لا ينجو بالصدفة، بل بما يمكن تسميته هندسة البقاء.
إنها فلسفة سياسية تقوم على إدارة القلق الإقليمي بدلاً من تجاهله، وعلى التعامل مع المخاطر قبل أن تصل إلى حدود الدولة. ولهذا طوّر الأردن ما يمكن وصفه بـ الدبلوماسية الوقائية؛ دبلوماسية تفتح قنوات الحوار حتى مع المختلفين، وتجلس إلى الطاولة مع الخصوم قبل الحلفاء إذا كان ذلك يحمي الدولة من ارتدادات الصراعات.
وقد ظهر هذا النهج بوضوح في خضم الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، حيث تعامل الأردن مع المشهد بحكمة سياسية عالية؛ فلم يكن طرفاً في الصراع، لكنه في الوقت ذاته لم يسمح بأن تتحول أراضيه أو أجواؤه إلى ساحة حرب. لقد كان الموقف الأردني واضحاً: الدفاع الصارم عن السيادة الوطنية مع الحفاظ على مسافة سياسية متوازنة من جميع الأطراف.
في منطقة اعتادت سياسة المحاور الحادة، اختار الأردن أن يتعامل مع الواقع ببراغماتية هادئة تحمي مصالحه أولاً وتمنع انتقال الفوضى إلى الداخل.
ومع ذلك يبقى السؤال مشروعاً: إلى متى يمكن الاستمرار بهذه المعادلة؟
لا أحد ينكر أن الاقتصاد يواجه ضغوطاً كبيرة، وأن البطالة تثقل كاهل الشباب، وأن موجات اللجوء المتتالية وضعت الأردن أمام تحديات ديموغرافية واقتصادية معقدة. لكن قراءة التجربة الأردنية بعمق تكشف حقيقة مختلفة: فالأردن لم يكن يوماً دولة غنية بالموارد، لكنه كان دائماً غنياً بالقدرة على التكيّف.
ولهذا ربما حان الوقت للتوقف عن رثاء الاستقرار الأردني في كل أزمة اقتصادية أو سياسية. فاليوم الذي يمر بسلام في هذا الإقليم المضطرب ليس أمراً عادياً، بل إنجاز استراتيجي بحد ذاته.
الأردن ليس صدفة على خريطة الشرق الأوسط، ولا استثناءً مؤقتاً في منطقة مضطربة؛ إنه ببساطة فائض العقل السياسي في إقليم فقد توازنه.
ولهذا، وفي كل مرة تعلو صيحات غربان الخراب، يكتشفون أن هذا البلد يعرف جيداً كيف يعيد ترتيب أوراقه… ويواصل البقاء.

عن Alaa

شاهد أيضاً

زلزال ترامب وصمود طهران.. وكواليس الوساطة الروسية

الاول نيوز – هشام القواسمة تتسارع وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط بين لهيب القصف العنيف …