هشام القواسمة –
الأول نيوز – بينما تنشغل مراكز القرار في واشنطن وطهران بحسابات “الضربة القاضية” و”الردع الاستراتيجي”، تبدو الصورة في العواصم العربية مختلفة تماماً؛ حيث يسود مشهد ينم عن نضج سياسي غير مسبوق. لم تعد المنطقة العربية تلك الساحة المفتوحة التي تندفع لتصفية حسابات القوى الكبرى، بل أصبحت اليوم رقماً صعباً يرفض الانزلاق نحو هاوية صراع لا يخدم سوى أجندات الخارج.
لقد استوعبت العواصم العربية الدرس جيداً، وأدركت أن ثمن الحروب الإقليمية لا يدفعه سوى أصحاب الأرض. ففي ظل النهضة العمرانية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، من مدن ذكية ومشاريع استثمارية كبرى وتحولات اجتماعية جذرية، باتت “حماية المكتسبات الحضارية” هي الأولوية القصوى.
فبدا رفض خوض مقامرة أو تعريض المنجزات الوطنية لدمار الحروب العبثية. المنطق السائد الآن هو: “لماذا نهدم ما بنيناه في عقود من أجل صراع نفوذ بين قوى دولية؟”. هذا التوجه يعكس التركيز على التنمية كدرع حماية أساسي.
فلسنوات طويلة، روجت الدوائر الغربية لفكرة أن الولايات المتحدة هي الحارس الشخصي الوحيد للمنطقة. لكن، ومع تغير المعطيات الدولية واهتزاز الثقة في الالتزامات الأمريكية، سقطت هذه النظرية في الاختبار العملي.
لقد أدرك العقل السياسي العربي أن الحماية لا تُستورد، وأن الانخراط في حرب بالوكالة تحت المظلة الأمريكية لم يعد خياراً جذاباً، خاصة إذا كانت هذه الحرب تهدد باستنزاف الثروات العربية لسنوات طوال. لقد ولى زمن التبعية المطلقة، وحل محله زمن تعدد الشركاء والمصلحة الوطنية أولاً.
إن رفض الانزلاق إلى مطاحن القوى العظمى ليس ضعفاً، بل هو ذروة النضج والواقعية. فالعواصم العربية لم تعد تكتفي بدور المتفرج أو التابع، بل أصبحت تلعب دور الوسيط الحذر الذي يسعى لتبريد الأزمات بدلاً من إشعالها.
هذا النضج يتجلى في القدرة على إخراج العواصم العربية من بين فكي الكماشة (الأمريكية-الإيرانية)، والتمسك بمسار مستقل يضمن سلامة الشعوب واستقرار المؤسسات. إنها رسالة واضحة للعالم تفيد أن المنطقة ليست حلبة للمصارعة، بل هي واحة للبناء
إن الرهان العربي الحالي هو رهان على المستقبل لا على الماضي. فبينما يتبادل الخصوم التهديدات بالدمار، تتبادل العواصم العربية مذكرات التفاهم الاقتصادي وخطط التنمية الشاملة. لقد نجحت المنطقة في صياغة مفهوم جديد للأمن القومي، يقوم على أن الاستقرار هو السلاح الأقوى، وأن الحكمة في تجنب الحرب لا تقل شجاعة عن خوضها.